تقارير

ليبيا .. نظرة سياسية في الوثائق الأمريكية (1)

قورينا

أسرار الأطماع الأمريكية والغربية في ليبيا

-العداء بسبب الخط 25 و ثروات البلاد هي المستهدفه

-الموقع الأستراتيجي داعب أحلام مالطا و إيطاليا منذ قرون

-الثورة علي التبعية حولت ليبيا الي “فائض قوي ” ذات تأثير عالمي

من الرعب الامريكي بسبب توجهات الدولة الليبية للإطاحة بالدولار ، مرورا بالأطماع الأوربية في ثروات البلاد ، و من اغتيال ستيفنز سفير أميركا ، الي تجنيد و إنشاء الميلشيات لبث الفوضي ، وحتي التدخلات القطرية في الأراضي الليبية و مئات الرسائل الشائكة التي رسمت مرحلة من حياة ليبيا المجاهدة في العصر الحديث ، تظهر رسائل هيلاري كلينتون حول ليبيا و التي تقارب سبع آلاف رسالة تتعلق بالشأن الليبي وحده و التي تؤكد ما استقر في نفوس الكثيرين من العقلاء حول العالم بأن الأغراض الأمريكية و الأوربية في ليبيا أبعد ماتكون عن البحث عن حقوق أو ومصالح الشعب الليبي .

سيفورزا و سر الخط 25

إلا أن التعرض لهذه الرسائل و تحليلها يتطلب منا أولاً البحث عن الأسباب أو كما يطلق عليها خبراء العلوم السياسية ” القوي الدافعة ” وراء السعي الأمريكي المحموم ضد ليبيا ، ولطالما كان العداء بين الولايات المتحدة و ليبيا أمر بديهي للمحللين و المراقبين السياسيين ، فخلال قرابة الخمس عقود ظلت ليبيا علي قائمة الاستهداف الامريكي و ظلت الولايات المتحدة علي رأس أعداء ليبيا .

وعلي الرغم من أن شواهد العداء الليبي الأمريكي بارزة في صفحات التاريخ منذ الستينيات و ربما حتي يومنا هذا ، الا أن منبع هذا الصراع و مراكز ثقله توارت خلف كثافة الصدامات و ضجيجها .

يذهب الكثيرون إلي فكرة أن التحرر الليبي من نظام التبعية التي فرضها الاستقلال المنقوص مطلع الخمسينات كنتيجة لثورة الفاتح من سبتمبر وما أعقبها من إزالة للوجود الأمريكي علي أرض ليبيا هو منبع الصراع ذو الطابع الأيدولوجي وقتها ، إلا أن نظرة بسيطة إلي الخلف توضح أن الأزمة الأمريكية مع ليبيا منبعها الرغبة في الاستيلاء علي مقدرات هذا الوطن منذ دعمها لإتفاقية تقسيم ليبيا المعرفة بأسم ” الخطة سيفورزا” نهاية الاربعينيات مقابل و عد بريطانية بتمكين الولايات المتحدة من الأراضي الليبية جنوب خط 25 وهو ما تمكنت الولايات المتحدة من تحقيقة بإجبار النظام الملكي العميل علي منحها هذه الامتيازات لينتقل الاحتلال من إيطالي – بريطاني صريح ، إلي أمريكي مستتر .

أحلام مالطا و العبقرية الإستراتيجية لليبيا

المطامع في ثروات ليبيا و أرضها يعود الي ماقبل اكتشاف النفط و الغاز و قبل الاحتلال الإيطالي بقرون عديدة ، فبعد الرومان كان حكام مالطا هم أكثر من سعي لاحتلال ليبيا الغنية بالموارد الطبيعية في عداء استمر قرابة القرن من الزمان و كان اشهر محاولاتها حصار طرابلس في العام 1551 من قبل فرسان مالطا ” فرسان الهيكل ” وهي المحاولة الثالثة للجناح الأوربي المتشدد للسيطرة علي البلاد واعقبها محاولتان آخرتان بائت جميعها بالفشل بعد تصدي القبائل العربية الليبية لها جميعاً .

ولكي نفهم أبعاد الصراع الدولي على ليبيا ومحاولات تركيا دس أنفها في شئونها، من الضروري أن نستعرض رؤية عبقري الجغرافيا السياسية الدكتور جمال حمدان الذي رأي أن ليبيا تعتبر أحد أعمدة العالم الإسلامي.


يقول حمدان : منذ أن عرف الإغريق القدماء الأرض التي ذكرها لنا “هيرودوت” بإسم “ليبيا “، والعالم مضطر إلى أن يفردها كوحدة جغرافية متميزة”. فبين “كتلة جزيرة المغرب” غرباً، و”وادى النيل بمصر” شرقاً، وإلى “الجنوب من الحوض الأوسط للبحر المتوسط، تمتد مساحة شاسعة”، لا مفر من اعتبارها منطقة جغرافية قائمة بذاتها.
ويصل حمدان إلي حقيقة مهمة وهي موقع ليبيا التي استطاعت أن تكتسب عبر التاريخ قيمة كبيرة؛ حيث تبين عملياً وفى أوقات الحروب – تحديداً – الأهمية الاستراتيجية لليبيا حيث يمكن أن يتم “تهديد شرايين مواصلات البحر المتوسط، كما يمكن منه الزحف يميناً إلى الشرق الأوسط ويساراً إلى شمال إفريقيا”… ومن ثم تعد ليبيا “قوة بينية تقع بين قوتين قطبيتين” مصر من الشرق، والمغرب العربي من الغرب.

ويستطرد حمدان في أهمية ليبيا قائلاً: “هي لا تتوسط ساحل البحر المتوسط الجنوبي في مواجهة إيطاليا فحسب، لكنها كذلك تقع بين قوسي الاستعمار البريطاني في شمال شرق إفريقيا والفرنسي في شمالها الغربي. وهي بذلك خشبة قفز من القاعدة الأم، وموطئ قدم على اليابس الأفريقي، ورأس حربة داخل محيط الاستعمار القديم”.
ثورة سبتمبر والقوة العظمي
ويشير المفكر المصري إلى أنه في عهد الفاشية إتسعت أحلام إيطاليا إلى إمبراطورية عظيمة “أفريقية” أو “إسلامية”، تبدأ من تونس وليبيا فلا تنتهي إلا في الصومال واليمن، وبذلك يبتلع جسمها كل الاستعمار البريطاني في حوض النيل، سواء مصر والسودان، إلى جانب القرن الإفريقي، كما يرتكز هيكلها على البحرين المتوسط والأحمر.
ووفق هذا المنظور، يؤكد حمدان على أن ليبيا كانت بالنسبة لإيطاليا عتبة أو مفتاح الإمبراطورية المأمولة، لافتاً إلى أن ما حدث كان بمثابة استعمار استراتيجي في الدرجة الأولى، استعمار مواقع وقواعد عسكرية وموقعاً جغرافياً لا موضعاً عمرانياً.
لكنه يؤكد أن مشروع الإمبراطورية الإيطالية الخيالي كان يمت إلى منطق الماضي أكثر منه إلى حقائق الحاضر والعصر، إذ تبدد المشروع برمته بصورة ساخرة حقا أثناء الحرب الثانية، لكنه يستدرك أن “هذه التجربة أثبتت قيمة ليبيا البالغة كموقع استراتيجي دقيق وكموقعة حربية هامة”..
ويعتقد حمدان أن البترول أعطى ليبيا وزنا اقتصادياً، فكانت ليبيا “فراغ قوة” تقريباً اشبه شيء بالمنخفض الحاد بين قوى ضخمة في المشرق والمغرب لكنها بالثورة بعد البترول أصبحت تملك ما يسمى جيوبولتيكياً “فائض قوة” منحتها ديناميكية وطاقة متدفقة فاضت بها خارج حدودها إلى اَفاق المسرح العربي بل إلى أبعاد عالمية.
يتبع……

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق