تقارير

خاص قورينا ( إقليم فزان ).. مابين ماضي الاستعمار الفرنسي وحكم عملاء فرنسا.. وبين حاضر الإقصاء والتهميش

يثير الاقتراب من إقليم فزان في ليبيا أسئلة وشجون كثيرة في الملف الليبي. فـ”فزان” عبر التاريخ كانت شعلة للمقاومة الليبية ضد الاستعمار مهما تنوعت صنوفه وألوانه سواء كان إيطاليا أو فرنسيًا.

وكان ولا يزال “إقليم فزان”، رمزا للكبرياء الليبي المشهود، فهذه المنطقة وبرغم بعض خونة يميلون للسنوسي وقت الملكية، وهو “ألعوبة الاستعمار”، وآخرون هم قفاز الاستعمار ذاته وبالخصوص الفرنسيين. إلا أن فزان كانت قلعة للمقاومة الشديدة ومنها تشكلت خلايا ثورة “الفاتح العظيم” لتنظيف براثن ليبيا من الاستعمار والقضاء على قواعده نهائيًا.


لكن بالرغم من هذا التاريخ المشرف لـ”فزان” وقيمتها كمنطقة استراتيجية تعتبر البوابة الجنوبية لليبيا وتعتبر مصدر الثروات والخيرات. الا أن اقليم فزان شهد تهميشا كبيرا وافقارا متعمدا طوال العقد الماضي.

فالجميع في الداخل والخارج يعرفون “قيمة فزان”، بسبب موقعها ومواردها النفطية كما انها منبع النهر الصناعي العظيم.
وتمثّل المكوّنات العرقية الرئيسية الثلاثة لمنطقة فزان (العرب والتُبو والطوارق) ما يقارب 10٪ من سكان ليبيا، أي حوالي 500 ألف نسمة. وهم يتمركزون بشكل أساسي حول مدن العاصمة الإدارية سبها (140 ألف نسمة)، وهي مركز قبيلة القذاذفة العربية، التي انحدر منها القائد الشهيد معمر القذافي، ومدينة مرزوق (50 ألف نسمة) معقل التبو، وأوباري معقل الطوارق وهي أصغر مرتين من مرزوق.

وعلى مدى العقود، فقد كان التنافس ضاريًا من أجل غزو هذه المنطقة وبسط الهيمنة عليها. وعليه فقد عملت القوى الاستعمارية بين منتصف القرن ال19 عشر ومنتصف القرن ال20 وحتى عام 1951، تاريخ حصول ليبيا على استقلالها الشكلي، على بسط سيطرتها على هذه المنطقة نصف الصحراوية.

وأولتها الدولة العثمانية وبعدها إيطاليا ثم بريطانيا وفرنسا اهتمامًا خاصًا، بعدما أدركوا أن “بقية ليبيا” تعتمد جزئيًا على مواردها الجيوستراتيجية وعلى انفتاحها على الصحراء من أجل ازدهارها الاقتصادي.

ويكشف التاريخ العديد من الوقائع والأحداث في إقليم فزان، فبدءا من عام 1943، احتلت فرنسا منطقة فزان وأدارتها على نموذج الجزائر المجاورة.
وفي أوائل الخمسينيات من القرن العشرين، وحتى قبل إعلان “استقلال شكلي” للملك السنوسي “ألعوبة الاستعمار”، تم إبرام معاهدات عسكرية ومالية مؤقتة قابلة للتجديد كل ستة أشهر بين فرنسا وليبيا.

ونشرت باريس، انذاك مستشارين في الهيئات الفيدرالية في البلاد قصد ضمان إعادة توزيع المساعدات المدفوعة للميزانية الليبية بالكامل في فزان، حيث كان الهدف تحقيق سيطرة عسكرية ملموسة في هذه المنطقة الاستراتيجية التي تسمح لباريس، بربط الجزائر بالمستعمرات الفرنسية الأربع بأفريقيا الاستوائية: غابون وجمهورية الكونغو الحالية وتشاد وجمهورية إفريقيا الوسطى. كما تحصلت فرنسا على حق استغلال طرق ومطارات فزان مثل مطار سبها -مقر الإدارة الفرنسية- وكذلك مطاري غات وغدامس.

في هذه الأثناء، لا يمكن إنكار تسلط بعضا من فروع أسرة سيف النصر التي عملت على تعزيز علاقاتها بالفرنسيين منذ أربعينيات القرن الماضي.

والمتتبع للتاريخ والدور الفرنسي هناك في الجنوب واقليم فزان، يرى أن هناك “استماتة فرنسية”، في البقاء والسيطرة على هذه المنطقة، بدءا من قوات فرنسا الحرة – كما كانت تسمى قبل 80 عاما والتي استولت على فزان وانتزعتها من أيدي الإيطاليين، بناءًا على اتفاقية مع بريطانيا 1943، في أعقاب الانتصار في الحرب العالمية الثانية، واستولت عليها وتابعها “رديف ليبي”، تقوده عائلة سيف النصر، وبسبب تحريرها – وفق المزاعم- تأخذ حصتها في الوصاية على فزان في مشروع بيفن سفورزا الوصائي 1949 والذي أفشلته أمريكا بعد بزوغها كامبرطورية منذ بدء الخمسينات. وحتى اعلان اجلاء الفرنسيين من فزان فى 26 ديسمبر1956، وان كانت باريس لم تخرج وبقت قواعدها تؤكد هيمنتها بشكل أو بأخر.

وقد كان اكتشاف حقول نفطية كبيرة بالقرب من العجيلة في عام 1956، السبب الذي دفع الفرنسيين إلى إعادة تقدير مصالحهم الاستراتيجية في فزان والموافقة على الانسحاب منها. وقد كان تكتيكيا وشكليا لضغوط الإمبراطورية الأمريكية أنذاك وتفجر حركة التحرر الوطني بعد ثورة يوليو 1952 في مصر بقيادة الزعيم جمال عبد الناصر.

وفي مطلع الستينيات، كانت فزان وكان الجنوب الليبي منطلقا لتيار هادر للمقاومة الليبية، حيث درس القائد الشهيد معمر القذافي في الجنوب، وقاد المظاهرات الطلابية ضد انفضال مصر وسوريا في عام 1962 ثم قاد مظاهرات طلابية أخرى ضد التجارب النووية التي قامت بها فرنسا في الجزائر.

ومن “فزان” بدأ القائد الشهيد تشكيل الخلايا المدنية لطليعة ثورة الفاتح العظيم، التي هدفت إلى تخليص ليبيا من براثن الملكية والاستعمار، وطرد قواعد الاستعمار، وبانطلاق ثورة الفاتح العظيم 1969، جرى مداهمة أوكار السلاح لقواعد الاستعمار الفرنسي والانجليزي والأمريكي، وانعقدت المؤتمرات الشعبية في كل مدن وقرى فزان، ثم منها إلى باقي قرى وبلدات ليبيا تنبض برفض الملكية البائسة والسنوسي عميل الاستعمار وألعوبته والرغبة في إعلان استقلال حقيقي لليبيا، واستعادة مواردها ومقدراتها وهو ما كان، وتحقق بالفعل بعد نجاح ثورة الفاتح واستمرارها قوية نابضة حتى عام الخيانة والنكبة 2011.

ووفق الوثائق والاتصالات، التي تكشفت عن الأسباب الفرنسية التي دعت الرئيس الفرنسي ساركوزي، إلى غزو ليبيا وإلى إعلان عملية “فجر الأوديسا” بالتعاون مع الناتو وبعد عملية “هارمتان” 19 مارس، كان العمل على إفقاد الزعامة التاريخية الليبية ممثلة في القائد الشهيد معمر القذافي، نفوذه في افريقيا عبر إقليم فزان وعبر الجنوب الليبي الذي يعتبر “رابطا ومفتوحا” على عدة دول أفريقية، هدفا رئيسيا لفرنسا والغرب.

وجن جنون فرنسا، وتحركت أساطيل ساركوزي والناتو، 2011، عندما بدأ العمل بالعملة الذهبية الأفريقية. فقد أدركت فرنسا أن أفريقيا ماضية في طريقها بقوة وتصميم وقيادة القذافي، نحو تعزيز كيانها القاري “الولايات المتحدة الأفريقية”.

وطوال العشر سنوات الأخيرة، يعاني اقليم فزان ويعاني الجنوب الليبي من الإهمال والتجاهل على مستويات عدة.
كما أن هناك عملية تغيير ديموغرافي تهدد الجنوب الليبي عبر توطين مجموعات من جنسيات غير ليبية، منها ما هو قائم ومنها ما يسعى للبقاء.

ووفق بعض المصادر، وما نشرته “سبوتنيك”، فإن نحو 250 ألف من دول الجوار سكنوا في الجوار الليبي، بقوة السلاح والهدف بالطبع تفتيت وحدة الجنوب والابقاء عليه مهمشا يعاني نقص الوقود ونقص كل لوزام الحياة، وحتى يبقى موطنا لهيمنة دولية وفرنسية.

ويبرز الآن داخل إقليم فزان، عبد المجيد غيث عبد المجيد سيف النصر، وينحدر من أسرة سيف النصر التي حكمت فزان في ظل النظام الفيدرالي حتى العام 1963. وقد فشلت قائمته التي ترشحت عبر ملتقى الحوار السياسي في جنيف لقيادة ليبيا حتى الانتخابات القادمة ديسمبر 2021.

وفي عام 1970 شارك والده في محاولة انقلاب على النظام الجماهيري، وفرّ للخارج، وفي عام 1990 انتقل عبد المجيد سيف النصر إلى المغرب حيث التحق بما يسمى جبهة إنقاذ ليبيا المعارضة – أحد الجبهات السياسية الضّالة التي كانت عينًا ساهرة للاستعمار طوال عقود- وكانت على عداء مع النظام الجماهيري.

وبعد انطلاق أحداث فبراير الأسود 2011 تم اختيار “سيف النصر”، كعضو لما سمى بالمجلس الانتقالي عن محافظة “سبها”، ثم في 2012 تم انتخابه عضوا بالمؤتمر العام عن مدينة سبها.

ووسط تيارات عدة ومؤامرات واستعمار وتاريخ مضىء للفاتح والمقاومة.. وتاريخ أسود للعملاء والخونة.
يبقى إقليم فزان عنوان لليبيا القادمة، ومحطًا لسيناريوهات كثيرة في المستقبل.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق