تقارير

خاص قورينا.. ليبيا بين فكي كماشة صفرية مشاكل أردوغان وصفرية ساعات حفتر

خاص قورينا

قبل سنوات قليلة، وفي عز المعمعة والحروب الأهلية في ليبيا وسوريا واليمن والتفجيرات والاضطرابات في العراق، كانت التصريحات التي أدلى بها كلا من مديرا الاستخبارات الفرنسية، برنار باجوليه، وميدر الاستخبارات الأمريكية، جون برينان، بأن الحرب في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، تنذر بتغيير في خريطة المنطقة وشمال أفريقيا. وأن الشرق الأوسط انتهى إلى غير رجعة وفق ما هو مخطط، إلا اذا اصطدم هذا المخطط بقوى وطنية عطلته وهزمته. فيما قال الأمريكي: عندما انظر إلى الدمار في ليبيا وسوريا والعراق واليمن، يصعب علي أن أتخيل وجود حكومة مركزية في هذه الدول قادرة على ممارسة سيطرة أو سلطة على هذه الحدود.

واختصر مدير المعهد السويدي بالقول: إن المنطقة تعاني من نزاعات هي الأكبر منذ الحروب الصليبية.

وبالنظر إلى هذه التصريحات، فإن الأحوال في ليبيا هى واحدة من “موازييك” الفوضى والدمار التي تم اختلاقها بفعل فاعل، من قبل قوى الاستعمار الجديد، وليست تداعيات مفاجئة لما سمى بالربيع العربي فقط، حتى وإن شكل (المظلّة) لهذه المخططات، التي أعدت كسيناريوهات لمشروع احلال الفوضى الخلاقة منذ عقود طويلة.

فليبيا بشكل خاص، والمنطقة بالعموم وخصوصا في الدول التي لا تزال تتعرض لموجات من الدمار، تم صناعة (حروب استنزافية اقتتالية متناحرة) فيها، تعتبر الوسيلة لاعادة رسم صور المنطقة وفق ما تراها استخبارات القوى الاستعمارية فرنسا والولايات المتحدة الأمريكية، وهي نزاعات يغلب عليها الصراع الأهلي والجهادي المتطرف مدعوم من دول إقليمية، مهمتها استنزاف الموارد البشرية والمادية، وتأجيج الصراع والاقتتال، بتحريك “نعرات” باسم الاثنيات والقبلية، تؤدي في النهاية إلى هدم الدولة ونشر الفوضى والتطرف. وأهم أذرع الحروب الجديدة، التي تفجرت باسم أكذوبة الربيع العربي المخطط له، فرق صناعة الموت من تنظيمات التكفير، وعلى رأسها تنظيمي القاعدة وداعش، وبقيادة سياسية للإخوان المسلمين، إلى ميليشيات ومرتزقة ترفع أعلام عدة وتتنقل بين الدول، وفي حالة ليبيا فقد تم ولا يزال رسم هذا المخطط بنجاح تام.

فمن ناحية وبعد استشهاد الزعامة الليبية التاريخية، ترك المجال لحفتر طوال عام ونصف كاملين وعلى مرأى من كافة قوى الاستعمار والهيمنة الغربية، ليقوم حفتر بأكبر عملية تدمير ممنهجة لمدن وبلديات ليبية ثم يحاصر العاصمة طرابلس وأحيائها ويعمل على دكها بالمدافع والطائرات العسكرية.

وعلى الناحية الثانية بعدما فشلت مدافع حفتر، أو بمعنى أوضح حققت كثير من المطلوب، لكنها لم تصل للغاية النهائية، صمتت القوى الغربية على ميلشيات وفيالق أردوغان عندما استدعتها حكومة الوفاق السابقة، لتتدفق لليبيا وتواجه حفتر، فبدأ تدفق الآلاف من المرتزقة على ليبيا، وتبين أن من بينهم على الأقل نحو 10 آلاف جهاي متطرف جرى توجيههم من سوريا إلى ليبيا للبدء في تحقيق المخطط العثماني.

واستطاع أردوغان، عبر ميليشيات متجذرة في الأرض منذ الفوضى المسلحة، فبراير 2011، تقاتل تحت رايات داعش والجماعة الليبية المقاتلة التابعة لتنظيم القاعدة، وتنظيم الاخوان المسلمين وآلاف من المرتزقة ومئات من قواته ومستشاريه، أن يتصدى لحفتر، وينتزع منه قاعدة الوطية ويدحره من جديد إلى سرت وسط ليبيا او ما عرف بخط سرت – الجفرة.

ووسط ذهاب حفتر الى العاصمة طرابلس، وردّ أردوغان عليه رجوعا إلى سرت، كانت ليبيا ومدنها وأهلها هى الثمن لمواجهة بين حفتر وأردوغان، وكليهما لديه مشاكل يريد أن يحلها طيلة السنوات الماضية وحتى اللحظة على حساب الشعب الليبي.

وحتى اللحظة فالمواجهة قائمة، فأردوغان ومرتزقته لم يخرجوا من ليبيا وحفتر لا يعترف بحكومة الوحدة الوطنية المؤقتة الجديدة.

وجاءت الساعات الأخيرة لتزيد الطين بلّة في ليبيا، بعدما قام باستعراض عسكري لقواته في شرق ليبيا. صحيح أن كلا من المنفي والدبيبة تهرب من حضوره عبر الاشارة الى لقاءتهما الخارجية، في كل من تونس والجزائر. لكن حفتر صبّ من خلاله زيتا على نار متقدة. بعدما قال وبعد 7 أشهر كاملة من إعلان وقف إطلاق النار أكتوبر 2020، أن عمليات قواته لاستعادة طرابلس ساعدت في التوصل لحل سلمي؟!! وأنه هزم الإرهاب في درنة وحقق الأمن والسلام فيها، محذرا “أعداء السلام من العودة للعنف”.

وأوضح حفتر: إنه لا يوجد سلام مع الإرهاب والمرتزقة في ليبيا، داعياً كل من يحمل السلاح خارج المؤسسة العسكرية إلى تسليم سلاحه وتسوية أوضاعه “قبل فوات الأوان” على حد قوله.

الاستعراض العسكري الذي أقامه حفتر، أعاد سماع (قعقعة السلاح) في الغرب الليبي، وأثار حفيظة وغضب الميليشيات المسلحة، التي أعلنت أنها ستنظم عرضا عسكريا مشابها في ذكرى تحرير العاصمة طرابلس الذي يوافق يوم 4 يونيو، كما وجهت آلتها الإعلامية للهجوم على عرض الجيش وتقزيمه – وفق ما ذكرت قناة العربية.

وعلق المحلل السياسي، محمد الرعيش، أن تجاهل حفتر الاشارة إلى صفة المجلس الرئاسي كونه يمثل القائد الأعلى للجيش، حسب الاتفاق السياسي الأخير، في الدعوة التي وجهها له لحضور العرض العسكري، وعدم حضور الدبيبة لسابقة خلاف وعدم القدرة على نزول بنغازي، ستزيد من تعكير الأجواء بين الطرفين وتضاعف الغموض حيال مصير ومستقبل المؤسسة العسكرية، كما أنّها إشارات سلبية على أن “الانقسام الحالي باق” ولم يشهد أي تقارب بين الطرفين.

ومنذ أبريل 2019 إلى يونيو 2020، فشل حفتر في السيطرة على طرابلس، رغم الدعم العسكري الهائل الذي ناله ولا يزال من قوى إقليمية ودولية كبرى. لكن المعضلة التي يحاول حفتر ان يتغلب عليها اليوم عبر استعراضه العسكري، هو العمل على تثبيت قدم في الأوضاع السياسية المستجدة في ليبيا.

بعدما فقد كثير من التأييد له في الشرق، كما أن الكثير من قبائل شرق ليبيا على خلاف معه بسبب اتهامات متواصلة له باختطاف ابنائهم وقتل البعض وتنفيذ اغتيالات واسعة، بل حتى داعمو حفتر الأجانب باتوا يتجنبون الظهور معه علانية، ولا يريدون أن يتخلفوا عن المسار الأممي والدولي لتحقيق التسوية، لكن هذا ايضا لم يثنيه حفتر، وهو يعيش حالة غموض تام بالنسبة للمستقبل، أن يحاول العبث بليبيا مجددا ولا يريد لها أن تودع العقد الأسود الماضي.

على الجهة الأخرى، جاء الاستعراض العسكري لحفتر في الشرق، ليزيد من تمسك اردوغان ببقائه وبقاء مرتزقته في الغرب. حيث يردد أن المتمرد لا يريد ان يخضع للسلام، وهكذا فتصرفات حفتر، هى الذريعة الأولى لبقاء أردوغان.

ولا تزال الأسباب الاستراتيجية والاقتصادية، التي دفعت أردوغان للتوجه لليبيا والإقدام على هذه المخاطرة العسكرية، باقية لم تتغير فأردوغان باختصار: يريد أن يحل مشاكله أو يقوم بتصفيرها على حساب ليبيا، خصوصا وأن الاقتصاد التركي يشهد أول انكماش اقتصادي له منذ عقد من الزمان، وهو ما يسبب ارتباكا كبيرا لحكومة أردوغان.

فيحاول عبر المدّ العسكري في ليبيا ان يقتنص للشركات التركية فرصا مضمونة في عملية اعادة الاعمار داخل ليبيا، كما انه سعى للحصول على عطاءات واتفاقيات بمليارات الدولارات.

علاوة على ما تأكد قبل نحو عام من الآن، أن ليبيا تقدمت لمساعدة تركيا بالفعل، ففى يوليو 2020 أكدت قناة “العربية” أن الصديق الكبير محافظ مصرف ليبيا المركزي، أودع 8 مليارات دولار في البنك المركزي التركي كوديعة لنحو 4 سنوات دون فائدة للمساعدة في تحقيق الاستقرار لليرة التركية.

وقبل أسابيع قليلة، دعا رئيس مجلس الأعمال التركي ـ الليبي مرتضى قرنفيل، رجال الأعمال الأتراك للاستثمار في ليبيا، مؤكدا أن استثمارات بقيمة عشرات مليارات الدولار تنتظرهم ومستقبل كبير.
وأضاف قرنفيل: أن ليبيا تتمتع بميزات مهمة للغاية بفضل موقعها الجغرافي المميز في القارة الإفريقية، وقربها من منطقة الشرق الأوسط والقارة الأوروبية في نفس الوقت، مشيرا إلى إمكانية أن توفر ليبيا مزايا كبيرة للمستثمرين ورجال الأعمال في قطاع الخدمات وغيرها من مختلف قطاعات الاستثمار.

وأوضح قرنفيل، أن المجلس يخطط لاقامة قاعدة لوجيستية له في ليبيا تبلغ مساحتها 50 ألف متر مربع، وإنه من المنتظر وضع حجر الأساس للمشروع خلال الشهرين المقبلين، وذلك بالطبع لتوظيف ميزة البعد الجغرافي لليبيا نحو عمق القارة الأفريقية واطلالتها بالقرب المباشر، من ضفة المتوسط الشمالية في اتجاه أوروبا .

هذا غير التخطيط المتسارع، للوصول بالصادرات التركية لليبيا إلى نحو 10 مليارات دولار ربما هذا العام أو العام القادم. فأنقرة تغرق السوق الليبي بصادراتها، لإنهاء أزمة الليرة التركية المتدهورة.. وأردوغان يحلم بيوم يصفّر فيه مشاكله نتيجة تدخله العسكري في ليبيا.

والخلاصة.. ليبيا تعيش اليوم بين فكي كماشة صفرية مشاكل أردوغان وصفرية ساعات حفتر، كما يتم فيها تنفيذ سيناريو الشرق الأوسط الجديد، الذي تحدث عنه قادة أجهزة الاستخبارات الاستعمارية، ورسم معالم جديدة للدول، فالواقع يؤكد أن تجذير التقسيم والدعوات الانفصالية، هو ما تعيشه ليبيا بالداخل، وما يحدث هو توزيع الثروة على الأقاليم وإبقائها متباعدة.

وما يحدث من طرح عبر خلفية تقسيم الثروات بين الأقاليم، هو تكريس للبعد الجهوي والمناطقي، وفي حين يعتقد أصحابه أنه مبرر لضمان عدم هضم حقوق المواطنة، إلا أنه في حقيقته، يعد منعطفا خطيرا لتبرير النزعة الانفصالية تحت هذا الساتر الخبيث.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى