تقارير

لعنة ليبيا تطارد باريس.. هزيمة وانسحاب استعماري وشيك من غرب ووسط أفريقيا

خاص قورينا

وسط كل القوى الاستعمارية الغاشمة، تلعب فرنسا دورًا نشاز داخل القارة الأفريقية وبالتحديد في دول غرب ووسط أفريقيا.
الواضح أن قادة “الإليزيه” وعلى مدى العقود السابقة، لم يقتنعوا أبدا بمغادرة أفريقيا وتفكيك مستعمراتهم السابقة داخلها مثلما حدث مع البريطانيين والبلجيك والألمان والإيطاليين وغيرهم.
لذلك تحافظ فرنسا، وتعمل طول الوقت على تعزيز قوتها الاستعمارية ونفوذها في دول غرب ووسط أفريقيا، طوال العقود الماضية على مرأي ومسمع من العالم كله دون الشعور بُحمرة الخجل من ماضي استعماري بغيض ومقزز.
لكن السؤال الذي بدأ يتردد بقوة خلال السنوات الأخيرة، في عهد ماكرون، هل فرنسا بالفعل قادرة على الحفاظ على مستعمراتها ونفوذها القديم غرب ووسط أفريقيا، أو ما يعرف بدول الساحل والصحراء؟ أم أن هناك تكلفة فادحة وهزائم للقيادة الفرنسية الجديدة في الداخل الفرنسي وفي أفريقيا، ستجبر ماكرون على التفكير جديًا في سحب القوات الفرنسية من الداخل الأفريقي واعلان نهاية رسمية للنفوذ الفرنسي في أفريقيا دام لعقود.
المتابع، لتصريحات الرئيس الفرنسي ماكرون والانتفاضة عليه من جانب قادة كبار في الجيش الفرنسي، يعرف أن قرار الانسحاب الفرنسي من قلب أفريقيا ربما أصبح وشيكا.
فقد هدد ماكرون، بسحب القوات الفرنسية من مالي، بعد الانقلاب العسكري الأخير. وقال: إن باريس لن تساند اسلاما راديكاليا.

في الوقت ذاته فإن هناك امتعاضا فرنسيا داخليا من السياسة الاستعمارية لماكرون في أفريقيا، لأنها ليست سياسة الاستقلال بين الدول وتعزيز المصالح المشتركة دون هيمنة ودون تدخل مباشر ودون قواعد عسكرية على الأرض كما هو الحال مع فرنسا.
في الوقت نفسه، فإن كثير من المحللين، عبر مراكز الفكر والدراسات المختلفة، يرون أن حملة المجرم الفرنسي السابق ساركوزي في ليبيا عام 2011 وتحريض الناتو، أو دفعه لشن غزو عسكري مقيت ضد الدولة الليبية واسقاط زعامتها التاريخية، القائد الشهيد معمر القذافي، أفقد حلفاء فرنسا الثقة في باريس. فالإليزيه يمارس سياسة انتهازية استعمارية بغيضة ولا يتورع عن شن هجوم عسكري لإسقاط دول وطنية راسخة كما حدث في ليبيا. علاوة على ان ما حدث في ليبيا جعل تحالف الساحل والصحراء، الذي كان مرتبطا بالقبلة الفرنسية طوال العشر سنوات الماضية يغير ولاءاته. وأصبح الحديث عن صعود النفوذ الروسي والتركي والصيني في دول غرب ووسط أفريقيا وتراجع النفوذ الفرنسي، سمة مشتركة لمختلف الدراسات والأبحاث الاستراتيجية التي تتناول الوضع.

وفي مقابلة مع صحيفة”لوجورنا دو ديمانش”، قال ماكرون ولأول مرة: إن باريس ستعمد الى سحب قواتها من مالي في حال سارت في اتجاه ما وصفه بـ”اسلام راديكالي”.. بعد انقلاب ثان خلال 9 شهور. وفرنسا التي تُشارك بنحو 5100 عنصر في قوّة (برخان) تُقدّم الدعم لـ “مالي” التي تواجه منذ عام 2012 هجمات أغرقت البلاد في أزمات أمنية عارمة، لكنها نددت بالانقلاب غير المقبول، بعد اعتقال الرئيس باه نداو، ورئيس الوزراء مختار عوان، بقرار من رجل البلاد القوي أسيمي غويتا.

وأضاف ماكرون، خلال الحوار: إنّه بعث رسالة إلى زعماء غرب إفريقيا رسالة مفادها: إنّه لن يبقى إلى جانب بلدٍ لم تعد فيه شرعيّة ديمقراطيّة أو عمليّة انتقال سياسي.
ماكرون، الذي يحاول أن يُخفي هزيمة سياسية جديدة في قلب أفريقيا وتآكل النفوذ الفرنسي، وعدم قدرته مثل أسلافه على البقاء في المستعمرات السابقة، قال خلال قمة دول الساحل الخمس والتي عقدت يناير 2021، في “مدينة بو” جنوب غرب فرنسا،: “أعددت طريق خروج”. وأضاف ماكرون: بقيت بناء على طلب الدول لأنني اعتقدت أن الخروج كان نقطة تسبب زعزعة للاستقرار، لكن السؤال مطروح ولسنا في وارد البقاء هناك إلى الأبد على حد قوله.

لكن ماكرون الكاذب، وفق نعته داخل الأوساط الفرنسية، عاد ليقول خلال حضوره جنازة الرئيس التشادي المقتول ادريس ديبي، على يد جماعات مسلحة كانت تدعمها فرنسا: انه يرى ضرورة لمزيد من الاستثمار في افريقيا، فبعد (العصا) يستخدم الجزرة”. وحذر من فشل في سياسة التنمية في إفريقيا. وصرح: “أقولها بكل وضوح، إذا كنا متواطئين في فشل إفريقيا، فسيتوجب محاسبتنا لكننا سندفع ثمنا غاليا أيضا خصوصا على صعيد الهجرة”، داعيا الى:”الاستثمار بشكل مكثف” في نهاية وباء كورونا وبما يعادل خطة “مارشال”، وان المجتمع الدولي يجب أن يكون سخيا في القول إننا نلغي جزءا من الديون لمساعدة الأفارقة على بناء مستقبلهم، هكذا قال.
ويرى محللون أن ماكرون، يتحايل على فشل فرنسي حقيقي داخل وسط وغرب افريقيا، بدأ يلاحق باريس في أعقاب استشهاد الزعيم الليبي الراحل معمر القذافي، وهو ما دعا شبكة “سكاي نيوز عربية” لتقولها صراحة في أحد تحقيقاتها حول النفوذ الفرنسي المتآكل في أفريقيا بالقول: إن مصير النفوذ الفرنسي في أفريقيا مرهون بليبيا.

وعلقت د. مادي ابراهيم، استاذ العلوم السياسيه باماكو، أن اتحاد الساحل والصحراء، تهلهل بعيد غياب معمر القذافي ولم يعد حيويا ويلعب دورا محوريا، بعد القذافي تعطل دور اتحاد الساحل والصحراء، لأنه كان الوحيد الذي يبث فيه روح أهمية الدور وتماسك دول الساحل والصحراء في مواجهة تحديات كثيرة، أهمها الإرهاب والهجرة والبرامج الاقتصادية والتنموية لهذه الدول.
في السياق ذاته، يرى الباحثون – وفق سكاي نيوز عربية- بمراكز الفكر وصنع القرار أن باريس اليوم تواجه تحديات بالجملة، سواء في الداخل بسبب الاقتصاد، أو في الخارج بسبب الدور التركي في مناطق النفوذ الفرنسي سواء في الشرق الأوسط أو غرب أفريقيا المزعزع لاستقرار دول تلك المناطق.

ولفت أستاذ العلوم السياسية، أشرف الباروني: إنه بسبب سياسة المحاور والصدام المتزايد بين روسيا والولايات المتحدة، ودعم واشنطن لعدو فرنسا الأول أردوغان في إقليم الشرق الأوسط ومنطقة آسيا الوسطى، أصبح خيار فرنسا في ليبيا واحد فقط، وهو العمل على حماية مصالحها.
واضاف الباروني، إن فرنسا أكثر المتضررين من انزلاق ليبيا إلى مستنقع الفوضى والاضطرابات- بالرغم من أنها كانت الصانع الرئيسي لها في 2011-
وتابع الباروني: المؤسسة العسكرية الفرنسية كانت أول من انتبه لخطأ الرئيس الفرنسي الأسبق نيكولا ساركوزي الكارثي في عام 2011 بحق ليبيا. مشيرا إلى أن ما يحدث في ليبيا من انهيار أمني، له مردود سلبي مباشر على أوروبا بشكل عام وفرنسا بشكل خاص.
ونوه الباروني، إلى تصريح رئيس الأركان الفرنسي الأسبق إدوارد جيو لمجلة “لوبوان الفرنسية” 2012، عندما وجهت الصحيفة سؤالا لرئيس الأركان الفرنسي فحواه ما الخطر الذي سيهدد فرنسا وباقي دول القارة العجوز مستقبلا؟
فكان رد إدوارد جيو دون تردد: إنها “معسكرات الجهاديين” في جنوب شرق تركيا، ولا أعتقد أن الأتراك أنشأوا تلك المعسكرات في هذه المدن هكذا اعتباطاً، بل هم سيزحفون علينا يوماً ما قبل أن يصدِّروا إرهابهم لكافة دول الشرق الأوسط بأكمله.
من جانبه أكد الباحث السياسي، أحمد حمزة، أن أهمية ليبيا لفرنسا هي ما دفعتها من تعزيز قواتها العسكرية في البوابات الخلفية لليبيا، في دول تشاد والنيجر ومالي، كي لا ينتقل دواعش تلك الدول أو التكفيريين بنيجيريا شمالا نحو ليبيا كما كان يحدث في الأعوام الماضية، فالمصالح الاقتصادية لفرنسا في جنوب ليبيا كبيرة جدا، وكذلك الأمنية أيضا، وفي ظل ما تواجهه فرنسا من تحديات أمنية كبرى في دول جنوب ليبيا فإن التحديات أمام ماكرون ضخمة.
ولذلك باتت باريس، أكثر الدول الأوروبية منخرطة في الشأن الليبي، بعدما أسقط ساركوزي الدولة الوطنية مسبقا في ليبيا بجهل مطبق وحقد دفين ورؤية إجرامية، وهاهم اليوم يدفعون ثمنا في الاليزيه لهذه السياسات. وإذا حدث انسحابا فرنسيا- وقد يكون وشيكا- من قلب أفريقيا فسيكون ذلك بمثابة حرب عالمية جديدة تُهزم فيها فرنسا وتخرج (عارية) من كل مستعمراتها السابقة وتذهب مصالحها الاقتصادية الى الروس والأتراك. وينهار (الفرنك الفرنسي) الى غير رجعة والسبب الجريمة الفرنسية الخالدة في ليبيا.
وفي دراسة له بعنوان: الساحل الأفريقي.. تعثر فرنسي وصعود روسي، يقول استاذ العلوم السياسية د. حمدي عبد الرحمن: إنه بالرغم من وجود ثلاث قواعد رئيسية للوجود العسكري الفرنسي في المنطقة: مركز القيادة في نجامينا (تشاد)، ومركزان آخران في غاو بـ (مالي) ونيامي في (النيجر). بيد أنه خلال السنوات الثلاث الماضية، لم تستطع فرنسا من خلال وجودها العسكري أو من خلال القوة المشتركة لدول الساحل الخمسة، التي تعاني من سوء الإعداد والتجهيز وقلة التمويل وغياب العقيدة القتالية، الصمود أمام الجماعات الإرهابية، والتي نجحت في تنظيم صفوفها والتنسيق فيما بينها على الصعيد العملياتي وعلى صعيد خلق حواضن اجتماعية بين السكان المحليين، فأصبحت منطقة (ليبتاكو- غورما)، وهي شريط حدودي يمتد عبر جميع الدول الثلاث- تمثل مركز عمليات التمرد ومكافحة الإرهاب في المنطقة.
ففرنسا تعيش في مأزق وهناك تنامي للمشاعر العدائية ضد باريس، ولم يقف الأمر عند حدود الامتعاض الشعبي ولكنه تحول الى سياسات رسمية في بعض الدول، التي تطلب التدخل الروسي عوضا عن الوجود الفرنسي، حيث وقّعت باماكو عاصمة مالي، اتفاقًا للتعاون العسكري مع روسيا في يونيو 2019. في ذات الوقت تحاول روسيا جاهدة تقديم بديل “متوازن” للهيمنة الفرنسية في (منطقة الفرانكفونية) ، ونجحت موسكو مؤخرًا في إنشاء “محور نفوذ إفريقي” يربط بين ساحلي المحيط الأطلسي والبحر الأحمر عبر جمهورية الكونغو الديمقراطية وجمهورية إفريقيا الوسطى والسودان وهو بمثابة خط حصار لباريس في دول الساحل.
ووفقا للدكتور حمدي عبد الرحمن: فإن روسيا تتعاون أمنيا مع 19 دولة أفريقية، ويشمل ذلك جمهورية إفريقيا الوسطى والكاميرون وتشاد ونيجيريا والنيجر ورواندا ‏وغامبيا وغانا وإثيوبيا وغيرها. وهذا بالطبع يهدد النفوذ الفرنسي الموجود قبل عشرات السنين.
في الوقت ذاته، فإن باحثون يرون ان تحركات ماكرون وتهديده بالعصا مرة وبالجزرة مرة ثانية، لن يفلح في إيقاف تدرج كرة الجليد أو كرة النار لتنفجر في وجه باريس والسبب أن ما يتجمل به ماكرون بعيد عن الواقع. فالتاريخ الاستعماري القديم والجديد لفرنسا يزج به في مستنقع ويلطخ الفرنسيين دائما بالعار.
والدليل ما حدث لماكرون خلال زيارته رواندا، ورصدته صحيفة “نيويورك تايمز”، خلال زيارة ماكرون الأخيرة والتي يعتبرها محللون المسمار الأخير لفرنسا في أفريقيا، إن سار التمرد والارهاب بدول الساحل والصحراء إلى نهايته لطرد باريس.
ففى رواند وبعد ثلاثة عقود من إنكار دور باريس المشبوه والمقزز في مذابح رواندا، اعترف ماكرون بما ارتكبته فرنسا
وقال: إن باريس عليها واجب مواجهة التاريخ والاعتراف بدورها في المعاناة التي ألحقتها بالشعب الرواندي.
ووفق تقرير رسمي عرض على ماكرون، فقد ظلت باريس عام 1994، متحالفة مع الحكومة العنصرية والفاسدة والعنيفة، التي يقودها الهوتو، حتى مع استعداد هؤلاء القادة للذبح، ونحر 800 ألف من التوتسي.
واليوم وأمام منافسة كبرى من جانب الصين في هذه الدولة، يحاول ماكرون التشبث بالبقاء الاستعماري، واعادة تقديم العروس الفرنسية للقارة السمراء. لكن الجميع يدركون الآن حتى مع التهديد في مالي والحدّة في تشاد والاعتذار في رواندا، أن لعنة ليبيا ستظل تُطارد باريس حتى طرد آخر جندي فرنسي من القارة الأفريقية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى