تقارير

الإتحاد الإفريقي.. أسسته ليبيا وتم تغييبه عمداً عن أزمتها

"تفاصيل المؤامرة لأجل تغييب دوره"

خاص قورينا

عندما ولدت فكرة إنشاء الاتحاد الأفريقي في منتصف التسعينيات على يد القائد الشهيد، معمر القذافي بعد العديد من الجهود والقمم الناجحة التي قادها، وتم الإعلان عنه في قمة “مدينة ديربان” في يوليو 2020 بجنوب أفريقيا، كانت الأهداف المنوطة به، أن يتجاوز الفشل الذريع الذي لحق بمنظمة الوحدة الأفريقية في السابق. وأن يكون باب صدّ ودفاع عن مشاكل القارة من ناحية ومدخل إلى الولايات الأفريقية المتحدة من ناحية أخرى، والأهم من ذلك حائط مقاومة أمام القوى الاستعمارية الطامعة في القارة السمراء ومقدراتها وثرواتها، على مدى قرون.

 

ولذلك ألحقت بالاتحاد الأفريقي، العديد من الهيئات والأجهزة القوية التي لم تكن في جسد منظمة الوحدة الأفريقية السابقة. ومنها (البرلمان الأفريقي ومفوضية الاتحاد الأفريقي على غرار المفوضية الأوروبية ومحكمة العدل الأفريقية والجمعية العامة للاتحاد الأفريقي، ومجلس السلم والأمن الأفريقي، وتأسس عام 2004، وهو المحقق للأمن الجماعي للشعوب وفق البروتوكول المؤسس له، ويعمل على منع وإدارة وتسوية الصراعات ووضع سياسات للدفاع المشترك ويضم 15 عضوا ينتخبون على أساس إقليمي من قبل الجمعية العامة للاتحاد الأفريقي، ويتشابه عمل وغرض المجلس مع “مجلس الأمن الدولي”، التابع للأمم المتحدة وقد ولد قوًيا، منذ التأسيس وقام بالعديد من المهام.

كما دعا الاتحاد الأفريقي، إلى إنشاء العديد من الهيئات الاقتصادية الغير مسبوقة، مثل البنك المركزي الأفريقي والبنك الأفريقي للاستثمار وصندوق النقد الأفريقي، والعمل على اعتماد عملة واحدة على غرار “اليورو” باسم “الأفرو” بحلول عام 2028.

 
هذه الأهداف الرائدة التي تم وضع أسسها وقت حياة القذافي، كانت واضحة تمامًا، في خلق كيان سياسي قوي يدافع عن القارة الأفريقية وعن مقدرات شعوبها، ويتصدى للاستعمار ويوحد اقتصادها وكذلك على مستوى العملة، ويحقق أكبر قدر من “التكامل القاري” وخصوصا إنه رغم الفتن والصراعات والحروب والتآمر الاستعماري، يحتل الاتحاد الأفريقي المركز ال17 عالميًا بعد هولندا من ناحية حجم الاقتصاد، والذي يبلغ سنويًا نحو 500 مليار دولار.

لكن مع هذه (الأهداف والسياسات والهيئات) التي أسست بشكل حديث لتتجاوز عيوب وسوءات كيانات إقليمية سابقة “ميتة” ومجمدة سياسيًا لا قيمة لها مثل الجامعة العربية، فقد جرى الترصد للاتحاد الأفريقي منذ البداية والالتفاف على أهدافه ودوره والطموحات التي يسير نحوها، وبالخصوص أن من تصدى لانشاء الاتحاد الأفريقي وطرح فكرته، هو القائد الشهيد معمر القذافي، وقد كان ولا يزال أحد كبار مناهضي الاستعمار في أفريقيا في العصر الحديث.
 
وبعد تفجر الأزمة الليبية عام 2011، في أعقاب التمرد المسلح ومساندة حلف الناتو الصليبي، لعصابات مسلحة وإرهابية وأجندات مدعومة من قبله، جرى استهداف دور “الاتحاد الأفريقي” والعمل على منعه من الاقتراب من الأزمة الليبية أو التدخل فيها بشكل متعمد، من خلال “صفقات مريبة” مع بعض الدول الأفريقية.
وبدأ الالتفاف حول الدور الأفريقي، منذ القرار المشبوه رقم 1973 الذي فرض حظر الطيران على ليبيا، وكان مقدمة للغزو. حيث انقسمت مواقف أفريقيا داخل الأمم المتحدة إلى ثلاثة مواقف تجاه القرار قبل اعتماده.
.. فمجموعة بقيادة أوغندا وكينيا قبلت بالقرار رقم 1973، لكنها فيما بعد قالت، إن “حلف الناتو” تجاوز حدود القرار. فيما وقفت مجموعة أفريقية أخرى بقيادة رواندا وراء القرار والتدخل ولم تعترض عليه، عارضت مجموعة أفريقية ثالثة القرار، ومنها الجزائر وزيمبابوي، وقالت علانية في الأمم المتحدة إنه خدعة من قبل الدول الغربية لإزاحة القذافي وتغيير النظام.

وأمام الانقسام الأفريقي وتناقض مواقف الاتحاد الأفريقي، اتخذت الأمم المتحدة قرارا أحاديًا بأن ليبيا دولة عربية وليست أفريقية واتجهت الى الجامعة العربية، وقت وجود عمرو موسى وتسيّد قطر آنذاك لأخذ موافقتها على القرار رقم 1973 وضرب ليبيا وغزوها وقد كان.

ويكشف الدبلوماسي السوداني، الصادق الفقيه، بعضًا من جوانب “الالتفاف الاستعماري” على دور الاتحاد الأفريقي وتغييبه متعمدًا على ليبيا والتدخل في الأزمة الليبية. فبعد اجتماع للجنة مجلس السلم والأمن الأفريقي في نواكشوط لبحث الأزمة الليبية بعد تفاقمها، تم الاتفاق على أن يذهب وفد من اللجنة إلى ليبيا يوم 19 مارس 2011، لمقابلة الزعيم الراحل، معمر القذافي ومختلف أطرف الأزمة الليبية ومنهم ما سمي بالمجلس الانتقالي الذي كان يديره حلف الناتو، وعلى رأسه قادة التمرد المسلح. لكن ساركوزي – المجرم والرئيس الفرنسي السابق- عندما علم بقرار التوجه إلى ليبيا يوم 19 مارس 2011، وبعد قدمت اللجنة طلبًا تأمين رحلاتها الجوية التي تقل أعضاءها إلى ليبيا في ذلك اليوم، كما هو متبع، تم رفض الطلب واستبق ساركوزي ذلك بالطلب من الطائرات الفرنسية، التصدي للرتل المسلح المتجه إلى بنغازي من قبل الجيش العربي الليبي، للتعامل مع التمرد المسلح واستعادة الهدوء لليبيا مرة ثانية، وبذلك قطع ساركوزي الطريق على رحلة وفد الاتحاد الأفريقي إلى ليبيا.
 
بعد ذلك ووفق ما تسجله مضابط الاتحاد الأفريقي، وفي أبريل عام 2011، ورغبة من قيادتها التاريخية في تجنيب البلاد المزيد من الدمار والهلاك، وافق القائد الشهيد معمر القذافي، على أن يواصل الاتحاد الافريقي جهوده، وتجاوب مع خارطة الطريق المطروحة للسلام، رغبة في إعادة الهدوء لليبيا، لكن مرة بعد أخرى – وفق المضابط- يرفض “مجلس عملاء الناتو” أو ما سمي بالمجلس الانتقالي التجاوب مع هذه الجهود، لتكتمل المؤامرة على ليبيا، حتي يصل العدوان إلى قلب العاصمة طرابلس، وتُستشهد القيادة التاريخية الليبية ممثلة في معمر القذافي على أرضها.
وطوال 10 سنوات من الصراع الضاري والحرب الأهلية والفوضى في مختلف جنبات ليبيا، جرى تهميش أي دور للاتحاد الأفريقي، وجرى استبعاده من كافة “المبادرات” التي تُطرح حتى اللحظة نحو ليبيا، فينظر للصراع من وجهة نظر أمريكية وأوروبية وروسية وتركية وحتى “خليجية”، لكن لا ينظر له أبدًا من وجهة نظر اأريقية رغم أن ليبيا دولة أفريقية في الأساس.

وكانت تخلق العوائق أمام تدخل الاتحاد الأفريقي، إما من الخارج مثلما دار داخل الامم المتحدة، في بدايات الأزمة ووقت بلورة المؤامرة الاستعمارية على ليبيا. أو من الداخل. من قبل بعض الأعضاء الراغبين للأسف، وبالخصوص بعد استشهاد القذافي، في أن يتحول إلى “مسخ وجامعة عربية جديدة ميتة” لذلك جرى استبعاد الاتحاد الأفريقي، من أي عمليات لوجيستية أو عسكرية أو الاستعانة ببعثة لتأمين وقف إطلاق النار في ليبيا كما حدث في العام الماضي2020، او بعثة للسلام بين الأطراف المتحاربة. وحدث انقسام كبير داخل الاتحاد الأفريقي، عند بحث المساهمة في بعثة المراقبين الدوليين الأمميين في “سرت” وكان هذا متعمدًا من الداخل وبأطراف تحركها قوى استعمارية للأسف اخترقت جدران الاتحاد الأفريقي، وتم نشر العديد من القواعد العسكرية الفرنسية والروسية في قلب أفريقيا وفي قلب دولها طوال العشر سنوات الأخيرة، وبعضها تخرج منه حملات جوية تضرب أهدافًا في ليبيا وبالطبع كان هذا مستحيل حدوثه لأي دولة أفريقية وقت وجود القذافي.
وقبلها وفي فبراير 2020، جرى إفشال مهمة ارسال بعثة دعم السلام المشتركة بين الاتحاد الافريقي والأمم المتحدة. وكان هذا بفعل فاعل أيضًا.
 

في السياق ذاته، فإن بعض دول الجوار الليبي الأفريقية وهى 6 دول، عملت على تأمين مصالحها وأوضاعها مع أطراف الفوضى الموجودون في ليبيا في غياب الدولة، فدول تتعامل مع ميليشيات الغرب الليبي وأخرى تتعامل مع قوات حفتر ولايهم إن بقت ليبيا في الفوضى عقدا آخر.

 

وبالرغم من أن الحوادث، أثبتت إنه كانت هناك تداعيات أمنية وسياسية “سيئة للغاية” على العديد من الدول الأفريقية وبالخصوص دول الساحل الأفريقي بسبب الأوضاع الأمنية المتدهورة في ليبيا والفوضى التي تضرب جنباتها. بعدما انتقلت حالة الارتباك التي اتسم بها المشهد الليبي إلى دول الجوار، وكان لدول الساحل الأفريقي النصيب الأكبر من هذا الارتباك، وبالخصوص مالي والنيجر وتشاد، وحدث نمو غير مسبوق لأنشطة الجماعات الإرهابية التي جعلت من هذه المنطقة فناء خلفيًا لأنشطتها في الشمال الأفريقي، والأقاليم الأخرى بأفريقيا. وكما جاء بمؤشر الإرهاب العالمي 2017، فقد احتلت ليبيا الترتيب العاشر بين أعلى 50 دولة في العالم من حيث الأنشطة الإرهابية، واحتلت السودان الترتيب الـ18، فيما احتلت النيجر الترتيب الـ20، بينما احتلت تشاد الترتيب الـ34.

 

كما تشهد الحدود الجنوبية الليبية انفلاتا أمنيا هائلاً منذ عام 2011 وانتشار ظاهرة تهريب البشر والمهاجرين والوقود، كما تدفقت ملايين من قطع الأسلحة المسروقة، من مخازن الجيش العربي الليبي الى الدول الأفريقية والعصابات الإرهابية وبالخصوص في دول الجوار.
 
وبالإضافة إلى المشكلات الأمنية الصارخة، ظهرت العديد من المشكلات الاقتصادية؛ فمع انهيار الدور الاقتصادي الليبي في أفريقيا، جنوب الصحراء، وبالخصوص في تشاد والنيجر، وحيث أسهمت الاستثمارات الليبية سابقًا، في تطوير الحياة الاقتصادية في هذه الدول، أدت الفوضى الليبية والتمرد المسلح وتداعياتها، إلى عودة مئات الآلاف من المهاجرين الذين كانوا يعملون في ليبيا إلى كل من السودان وتشاد والنيجر، ووفق التقديرات فقد بلغ أعداد المهاجرين السودانيين إلى ليبيا نحو مليون شخص ومن تشاد تراوح العدد بين 300 ألف إلى نصف مليون شخص، فيما عاد أكثر من 200 ألف مهاجر إلى النيجر، كما توقف على إثر سقوط الدولة الليبية، مشروعات ضخمة للتكامل الاقتصادي بين دول القارة، وتحقيق طفرة مالية واقتصادية لدولها، ومنها مشروع شق “الطريق العابر للصحراء”، الذي قدر طوله بحوالي 800 كيلو متر واستهدف ربط ليبيا بالنيجر عبر الصحراء، وكانت ليبيا تتحمل الجزء الأكبر منه، كما توقفت العديد من المشاريع الاستثمارية الأخرى..
 
 
فـ “فوضى ليبيا” كانت وبالاً على دول الساحل وعلى أفريقيا بعمومها، وضرب ليبيا وغزو أراضيها واغتيال قيادتها التاريخية كان متعمدًا لوقف مشروع “التطور القاري” واجهاض حلم الاتحاد الأفريقي و”قصقصة أجنحته” وتهميش لجانه القوية مثل مجلس السلم والأمن الافريقي، رغم أن ليبيا ستظل بتداعياتها الأمنية والاقتصادية، “مشكلة أفريقية بحتة”.. وبالطبع كان لعملاء مجلس الناتو واذناب القوى الاستعمارية الإرهابيين والميليشياوييين المدعومين بأجندات خارجية دور كبير في هذا، وعدم التوجه إلى الاتحاد الأفريقي والعمل على إشراكه في أي مبادرة تسوية أو تخطيط لمستقبل ليبيا ومحاولة إخراجها من العنف، واعادتها إلى “مرحلة الدولة”.
 
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق