تقارير

برلين2.. الرقص على حافة الفشل

خاص قورينا

في 6 يناير 2020 الماضي، وقبيل انطلاق مؤتمر برلين الأول بنحو أسبوعين في 19 يناير 2020، أعلن أردوغان بدء تحرك قوات من الجيش التركي إلى ليبيا آنذاك. وزعم أن ذلك من أجل التنسيق والاستقرار!، لحظتها أرسل أردوغان 1000 عسكري تركي للبلاد.

وجاء مؤتمر برلين ولم يرى أن مئات الجنود الذين أرسلها أردوغان، بداية كارثة كبرى تعاني ليبيا منها فيما بعد.وكان هناك فيما يبدو توافقًا دوليًا، على أن يتدفق المرتزقة إلى ليبيا بهذا الشكل السافر، وتتم الجريمة، لتحقيق نوع من الاتزان.

وقد قالت ستيفاني وليامز – المبعوثة الأممية السابقة إلى ليبيا ذلك علانية- بأن تدفق الأتراك إلى ليبيا أحدث نوع من الاتزان، بعدما عجزت أو بالأحرى تواطئت واشنطن، مع حفتر في حملته نحو العاصمة طرابلس، في أعقاب الاتصال الهاتفي المشؤوم بينه وبين ترامب، وبتسهيل ومباركة من مستشار الأمن القومي السابق، جون بولتون، الذي قال لحفتر نصا: وفق نيويورك تايمز: “إذا كنت ستهاجم فافعل ذلك سريعًا”، وكانت الحرب.

.. واستقر المرتزقة في ليبيا، ولحق بـ الألف الأول نحو 20 ألفا آخرين، وفق ما جاء على لسان وليامز نفسها، يتمركزون في 10 قواعد عسكرية أجنبية بطول البلاد وعرضها.

ومرّ عام ونصف، وفي الوقت الذي كان يعلق فيه الليبيون، الآمال على أن يستطيع مؤتمر “برلين الثاني” أن يتصدى لهذه الكارثة التي أغمض عينه عنها وقت حدوثها، وهى “المرتزقة” شرق ليبيا وغربها، وفي أن يضع حد للاحتراب الأهلي في ليبيا وخارطة زمنية لتفكيك الميليشيات وتوحيد المؤسسة العسكرية، إذا ببرلين 2 يتحول إلى “كرنفال سياسي” ومجرد كلمات لنحو 23 مسؤولا دوليًا وإقليميًا دون أن يتحول ذلك إلى آلية محددة تضع إطارًا زمنيًا لانسحاب المرتزقة، الذين وافق على دخولهم تحت عينه قبل عام ونصف. أو تفرض عقوبات بعينها على المعرقلين للعملية السياسية في ليبيا!

فـخرج برلين 2 شديد الضعف، وجاء أغلب من حضروه هذه المرة، من وزراء الخارجية وليسوا زعماء الدول كما حدث مع برلين الأول.

يأتي هذا فيما وجه مراقبون، انتقادات ضخمة لمؤتمر برلين2، ورأو انه تحدث في “عموميات مكررة”، مثل خروج المرتزقة والقوات الأجنبية وضرورة إجراء الانتخابات في موعدها، دون أن يقدم آليات محددة، كما ظهر البيان الختامي “فضفاض”، وتحدث عن مستقبل ليبيا وأزماتها المزمنة وكأنها في “سعة من الوقت” وليس فقط هناك أقل من 6 أشهر لإجراء الانتخابات.

وقالوا إنه كان من الأولى لبرلين 2 إن كان جادًا في المسألة الليبية، ومعروف أن ليبيا تحت الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة أن يوضح جيدًا في “قرارات وآليات” ضمان حدوث ما دعا إليه، والاتفاق على جدول زمني محدد لبحث سحب المرتزقة وجدول زمني لتفكيك الميليشيات.

وانتقد المحللون، تركيز برلين 2 على مخاطبة كل من برلمان طبرق والمجلس الأعلى للدولة الإخواني على أن يحلا قضية “المناصب السيادية”، وهى قضية تبدو مفتعلة قبل شهور قليلة للغاية من انتخاب نظام سياسي جديد، حتمًا سيأتي بحكومته وبمن يشغلون المناصب السيادية في البلاد، والأولى أن كان يصدر قرار ببقاء من فيها – أي هذه المناصب- هذه الشهور القليلة ويبدأ التحضير الفعلي للانتخابات.

وشككوا في أن تكون هناك “نية مبيتة وغير معلنة”، باستمرار حكومة الدبيبة، لما بعد الانتخابات القادمة، وتجميد الوضع كما هو عليه، خصوصًا وأن الدبيبة يعرض “كعككة ضخمة” على شركائه الدوليين، فكل له نصيب في إعمار ليبيا وهم لا يضمنون طبعًا الآن أن تكون لهم هذه المزايا في المستقبل مع انتخاب نظام ليبي جديد.

وبمثل هذا التوزان أو ما وصفه البعض بـ”التواطؤ” عبر بيان هزيل مطاط، في ختام برلين 2، صرح وزير الخارجية الألماني هايكو ماس، أن رحيل المرتزقة من ليبيا سيتم بشكل تدريجي.

وأنه جرى “تفاهم بين تركيا وروسيا” على سحب تدريجي للقوات من ليبيا، للحفاظ على التوازن”، فالانسحاب لن يحدث بين عشية وضحاها وفق قوله.

وفي الوقت الذي كشف فيه الباحث السياسي، كامل المرعاش، بوجود خلافات بين أعضاء الحكومة ذاتها، حول بقاء المرتزقة الذين استجلبتهم تركيا، ودلل على صحة كلامه، بأن كلمة الدبيبة كان ينبغي أن تتضمن إطارا زمنيًا محددًا لخروجهم من البلاد، وربط هذا بموعد الانتخابات نهاية العام الجاري، ولكنها جاءت فضفاضة.

فيما انتقد المحلل رمضان البحباح، حديث الدبيبة عن خطة أمنية لتأمين الانتخابات، معتبرا ذلك “مجرد وهم” أمام ما يحدث في الواقع.

وشكك المتحدث باسم المجلس الرئاسي السابق، محمد السلاك، في “تعهدات الدبيبة”، ببذل مزيد من الإصلاحات في القطاعات الخدمية، وقال السلاك، إنها “تظل مجرد سراب وهدف بعيد المنال”، فما تزال مشكلة انقطاع التيار الكهربائي قائمة وما تزال هناك نقص في السيولة بالمصارف، علاوة على أن المرتزقة لا يزالون يتدفقون لليبيا وآخرهم 200 مرتزق قبيل أيام من برلين 2، وفق ما أدلى به لـ”سكاي نيوز عربية.

في السياق ذاته، أثارت دعوة البيان الختامي لمؤتمر “برلين 2” الحكومة الليبية المؤقتة، برئاسة الدبيبة، إلى تسهيل مغادرة المهاجرين على أساس “طوعي” وليس قسري الشكوك بشأن تحركات في الخفاء لتوطين المرتزقة وغيرهم من القوات الأجنبية في ليبيا تحت اسم “مهاجر”!! والعمل في الخفاء الفترة القادمة على تسهيل تجنيس مثل هؤلاء.

وحيث جاء في البند 53 وفق ما أورت “سكاي نيوز عربية”: ندعو السلطات الليبية المؤقتة إلى تسهيل الدعم الإنساني ورحلات الإجلاء الإنساني والمغادرة على أساس طوعي دون انقطاع!!

وأجمع محللون، أن خطة تحويل المرتزقة إلى لاجئين تشكل الحل المثالي إلى أنقرة وإلى الميليشيات الموالية لها عبر إعطاء المرتزقة، الجنسية الليبية بما يجعل وجودهم شرعيًا وبذلك تتحقق العديد من الأهداف المشبوهة والخبيثة، بالإبقاء على الآلاف منهم دون شكل شرعي واستغلالهم في أي وقت، والاستفادة ايضا من تجنيسهم في التصويت في الانتخابات المقبلة لصالح الميليشيات وتنظيم الإخوان.

ورأي المحلل السياسي، محمود المصراتي، أن مشروع توطين المهاجرين في ليبيا وقد نصت عليه “بنود برلين 2” لتكون بلد المقصد بدلا من بلد المعبر، هو مشروع بريطاني في الأساس تسعى ألمانيا لتنفيذه. قائلا: إن المانيا أصبحت تلعب دورًا مشبوهًا وليس حياديا كما تزعم، عبر ملفات الحكم المحلي والمجتمع المدني والتوطين.

وأضاف المصراتي في تصريحات صحفية، أن ما جرى في برلين 2 كان تلفيقيًا في أمور كثيرة وليس حتى توافقيًا.

وفي الوقت الذي زعمت فيه، وزيرة الخارجية نجلاء المنقوش، في كلمتها، أن ليبيا حققت تقدمًا في قضية المرتزقة وتأمل انسحابهم خلال الأيام القادمة!

نفى وزير الخارجية الإيطالي، لويجي دي مايو، وفق ما نقلته وكالة آكي الايطالية عنه، حدوث اتفاق أو توافق حاسم، وقال نصًا: “يبدو أن هذا حقيقة بعيدة المنال، لكن ليبيا مصدر قلق بالنسبة لنا، ليس فقط من ناحية المهاجرين ولكن على صعيد الإرهاب أيضًا”.

.. وعليه فـ “برلين 2” لم يكن مؤتمرًا سياسيًا حازمًا كما كان مرتقبًا بشأن ليبيا، ولكنه فتح أبواب جديدة للتدخل ولممارسات مشبوهة في حق الوطن، ولمدد أطول للمرتزقة والقوات الأجنبية، تحت مظلته.

“برلين 2” ليست الترياق لمداواة ليبيا.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق