تقارير

مشهد مُرتبك: هل تجرى الانتخابات الليبية في موعدها؟ تقرير يطرح تساؤلات مهمة

نشر “مركز رع” للدراسات الاستراتيجية تقريرا بعنوان مشهد مُرتبك: هل تجرى الانتخابات الليبية في موعدها؟

وجاء نص التقرير كالآتي:-

كلما أقترب الموعد المحدد للانتخابات البرلمانية والرئاسية في ليبيا – والمقررة وفقاً لخارطة الطريق المعلنة في الـ 24 من ديسمبر المقبل- ازدادت حالة الزخم في هذا الملف الشائك، وهو ما يزيد من درجة التعقيد التي تتسم بها الأزمة الليبية، إذ يبدو أن تأثير حالة التفاؤل التي سادت خلال الفترة التي أعقبت انتخاب حكومة وحدة وطنية في مارس الماضي قد تبددت، وحل مكانها حالة من القلق والتوجس بشأن مسارات المشهد خلال الفترة المقبلة، في ظل التقارير المتعددة التي رجحت احتمالية تأجيل الانتخابات، بل وبدأ بعضها في سرد السيناريوهات الممكنة في مرحلة ما بعد 24 ديسمبر بناء على فرضية التأجيل، مع التحذير من التداعيات الكارثية التي يمكن أن تتمخض عن هذا الأمر خاصةً مع بقاء سيناريو عودة الصراعات المسلحة مطروحاً بقوة في حالة التأجيل.

وفي هذا السياق، شهد الملف الليبي كثيراً من التحركات -على المستوى الداخلي والخارجي- خلال الفترة الأخيرة، ومن ثم تسعى هذه الورقة إلى قراءة تحليلية لهذه التطورات ودلالاتها على مسار العملية الانتخابية المرتقبة، وأبعاد الدور الدولي والإقليمي في توجيه المشهد.

سحب الثقة من حكومة الدبيبة:

قام مجلس النواب الليبي بالتصويت بالأغلبية على سحب الثقة من حكومة الوحدة الوطنية برئاسة “عبد الحميد الدبيبة”، وبناء عليه تحولت الحكومة الليبية إلى حكومة تصريف أعمال لحين إجراء الانتخابات في نهاية ديسمبر المقبل، حيث وجه البرلمان اتهامات للحكومة الليبية تتعلق بإهدار المال العام من خلال إنفاق نحو 51 مليار دينار ليبي (حوالي 11 مليار دولار) في ثلاثة أشهر دون أن يتمخض عن ذلك أي تأثيرات إيجابية على الخدمات المقدمة للمواطنين، فضلاً عن اتهامات خاصة بالاتفاقيات التي أبرمتها حكومة “الدبيبة” مع دول أخري بنحو 84 مليار دينار أخرى، والتي رأى البرلمان فيها أنها تضع قيود على الحكومات المقبلة.

وعلى الرغم من أن هذه الخطوة لن تؤثر كثيراً على مهام الوزارة والتي كانت مهمتها الرئيسية منذ توليها المهمة في مارس 2021 هو التحضير للانتخابات، بيد أن هذا التصويت بسحب الثقة من حكومة الدبيبة سيعني انتهاء شرعية هذه الحكومة ونهاية الاعتراف بها من قبل الأطراف الداخلية بمجرد الوصول إلى الموعد المقرر للانتخابات سواء تم إجرائها أو حتى في حال التأجيل، وهو ما سيعيد إفراز مشهد الانقسام والتشظي الداخلي إذا ما فشلت جهود تنظيم الاستحقاقات المقبلة في موعدها.

إشكالية قانون الانتخابات:

أقر مجلس النواب الليبي قانوناً ينظم عملية انتخاب رئيس الجمهورية وتم إحالته للمفوضية العليا للانتخابات كي يتم البدء في التحضير لعملية الاقتراع، وقد لاقت هذه الخطوة دعماً داخلياً وخارجياً واسعاً لأنها مثلت انفراجة هامة في التحضير للانتخابات وحلحلة لأحد أبرز الملفات تعقيداً، بيد أن جماعة الإخوان في ليبيا عمدت إلى التشكيك في هذا القانون والطعن في بنوده.

وقد شهدت الفترة الأخيرة محاولات مكثفة من قبل جماعة الإخوان في الداخل الليبي لعرقلة إجراء الانتخابات في موعدها المقرر، ولعل الجديد في هذه المساعي هو الإعلان الصريح من قبل هذه العناصر عن رغبتهم في عدم إجراء الاستحقاقات في نهاية ديسمبر المقبل، بل والتهديد باللجوء إلى العنف حال أفرزت نتائج الانتخابات عن وصول أطراف غير مرتبطة بهم إلى سدة الحكم، وهو الأمر الذي عكسته بوضوح التصريحات التي صدرت عن رئيس المجلس الأعلى للدولة الاستشاري “خالد المشري” (قيادي إخواني) والتي دعا فيها إلى تأجيل إجراء الانتخابات بشكل صريح.

وفي محاولة إلى خلط الأوراق وتصدير حالة من اللبس والغموض بشأن التحضير للانتخابات، أعلن مجلس الدولة الليبي (يهيمن عليها جماعة الإخوان) إصدار قانون جديد خاص بانتخابات الرئاسة القادمة، في تحد للقانون الصادر عن البرلمان والذي اعتمدت عليه المفوضية العليا للانتخابات في التخضيرات الراهنة لعملية التصويت.

وفي الوقت الراهن، بدأ مجلس النواب في مناقشة القانون الخاص بتنظيم الانتخابات البرلمانية، فقد أعلن رئيس مجلس النواب الليبي “عقيلة صالح” أن البرلمان قد قام بتشكيل لجنة قانونية منوط بها مهمة تعديل قانون الانتخابات التشريعية.

ومن ناحية أخرى، طرح رئيس المجلس الرئاسي الليبي “محمد المنفي” مبادرة مثيرة للجدل بشأن الترتيبات المفترضة للعملية الانتخابية المقبلة، حيث تضمن هذا المقترح حث الأطراف الفاعلة في المشهد السياسي الراهن في ليبيا عدم الترشح في الاستحقاقات المقبلة، بدعوى أن هذا الأمر سيضمن تحقيق التوافق بشأن القاعدة الدستورية والقبول بنتائج الانتخابات، لكن من خلال قراءة في ردود الأفعال الداخلية بشأن هذا المقترح، يلاحظ أنه لم يحظ بدعم سوى جماعة الإخوان والذين يسعون إلى تجنب وصول بعض الأطراف الفاعلة في المشهد الراهن لضمان استمرار تواجدها في المرحلة المقبلة، مع افساح المجال أمام الجماعة للمناورة من خلال السعي للدخول في صفقات مع الشخصيات غير المعروفة التي يسعى المقترح للدفع بها. 

احتجاجات مفتعلة:

نشرت صحيفة الجارديان The Guardian البريطانية تقريراً حول مآلات المشهد الليبي الراهن، حيث أشار التقرير إلى وجود تخوفات بشأن احتمالات تأجيل الانتخابات مع محاولات الحكومة الراهنة الاستمرار في السلطة لأطول وقت ممكن، من خلال استغلال المأزق السياسي الراهن -خاصة فيما يتعلق بالخلافات المتعلقة بالترتيبات الخاصة بعملية الانتخابات- للبقاء في السلطة.

وفي هذا الإطار، رفض رئيس الوزراء الليبي قرار البرلمان بسحب الثقة من حكومته ودعا المواطنين إلى التظاهر في ميدان الشهداء بالعاصمة طرابلس احتجاجا على قرار البرلمان، حيث عمد “الدبيبة” من خلال هذه الحشود الرد على قرار البرلمان بسحب الثقة من حكومته، واصفاً هذه الخطوة بأنها “غير قانونية”، متهماً مجلس النواب بأنه يسعى إلى عرقلة الانتخابات وتأجيج الأوضاع الداخلية، وتجدر الإشارة إلى أن اللغة التي تحدث بها “الدبيبة” عن البرلمان اتسمت بالحدة والتصعيد، مما عكس مؤشرات خطيرة بشأن مستقبل العلاقة بين المؤسستين وانعكاسات ذلك على مستقبل الانتخابات المقبلة، خاصةً في ظل وجود اعتراضات من قبل بعض أعضاء البرلمان الليبي بشأن بعض الشروط الإجرائية الخاصة بعملية التصويت على سحب الثقة من الحكومة.

من ناحية أخرى، عكست التحركات الداخلية التي يقوم بها رئيس الحكومة الليبية مساعيه لبناء قاعدة شعبية داعمة له في غرب ليبيا من خلال العمل على اتخاذ بعض الإجراءات على غرار زيادة رواتب المعلمين، فضلاً عن تقديم منحة بمقدار 5000 جنيه إسترليني للشباب الراغبين في الزواج.

 

مخاوف متصاعدة ومساران محتملان:

ثمة مخاوف إقليمية ودولية متصاعدة من التداعيات المحتملة حال فشل إجراء الانتخابات في موعدها المقرر، وفي هذا الصدد حذر وزير الخارجية الإيطالي “لويجي دي مايو” من انعكاسات أي تعثر في انجاز الاستحقاقات المقبلة في ليبيا على استقرار المنطقة ككل، وهو الأمر ذاته الذي كان قد أشار إليه أيضاً المبعوث ألأممي الخاص إلي ليبيا في كلمته أمام مجلس الأمن والتي أشار فيها أن إجراء الانتخابات في موعدها المقرر بات أمراً ملحاً لتجنب الانجراف مرة أخرى في براثن الصراعات المسلحة.

كذلك، أعلنت فرنسا أن الرئيس “إيمانويل ماكرون” ينوى عقد مؤتمراً  دولياً بشأن الملف الليبي في نوفمبر المقبل، في محاولة للتأكيد على أهمية إجراء الانتخابات في موعدها وحشد موقفاً دولياً وإقليمياً داعماً لعملية التصويت لضمان نجاحها ومشروعية النتائج التي ستتمخض عنها.

وفي هذا السياق، طرحت صحيفة الجارديان البريطانية مسارين محتملين للمشهد السياسي المضطرب في ليبيا حال استمرار عدم التوافق بين الأطراف الداخلية بشأن الترتيبات الخاصة بالانتخابات البرلمانية والرئاسية، حيث يتمثل الخيار الأول في أن تتدخل الأمم المتحدة لفرض قاعدة دستورية تحكم عملية الانتخابات، أما بالنسبة للخيار الثاني فينطوي على الاعتراف بفشل جهود إجراء الانتخابات في موعدها المقرر، والعمل على تبني مبادرة جديدة لتحقيق الاستقرار في ليبيا تطرح خارطة طريق جديدة تتضمن موعد جديد للانتخابات وجملة من الخطوات التحضيرية التي تسبقها.

قانون استقرار ليبيا:

في ظل حالة عدم اليقين التي باتت تطغى على الملف الليبي، وافق أعضاء مجلس النواب الأمريكي بأغلبية كبيرة في 28 سبتمبر الجاري على مشروع قانون تحت مسمى “تحقيق الاستقرار في ليبيا، حيث ينص المشروع على منح الولايات المتحدة حق فرض عقوبات على الأشخاص الذين يسعون إلى تأجيج العنف في ليبيا، من خلال معاقبة الفواعل الخارجية التي تدعم بعض الفصائل والجماعات في الداخل الليبي وذلك حال سقوط حكومة الوحدة الوطنية وانهيار اتفاقية وقف إطلاق النار.

كذلك، يطالب مشروع القانون الإدارة الأمريكية بضرورة فرض عقوبات على أي طرف خارجي يعمل لصالح دعم النفوذ العسكري الروسي في ليبيا، لكن على الرغم من موافقة النواب الأمريكيين بالأغلبية على مشروع القانون، بيد أن هذا المشروع لا يزال يحتاج تصديق مجلس الشيوخ قبل أن يتم طرحه على الرئيس لكي يصبح قانوناً فعالاً. وبناء على هذا القانون، سيتوجب على الرئيس الأمريكي تقديم قائمة تتضمن أسماء الأشخاص الذين سيتم فرض عقوبات عليهم، وذلك خلال 180 يوماً من صدور القانون مع الالتزام بتحديث القائمة بشكل دوري.

ويعكس مشروع القانون هذا تنامي الحضور الأمريكي في الملف الليبي، ولقد تجلى ذلك أيضاً في الزيارة التي قام بها قائد القيادة العسكرية الأمريكية في أفريقيا (أفريكوم) الجنرال “ستيفن تاونسند” إلى طرابلس، والتي التقى خلالها بالسلطات الانتقالية هناك لبحث الاستعدادات الجارية لتنظيم الانتخابات الرئاسية والبرلمانية، كما أجتمع الجنرال الأمريكي باللجنة العسكرية (5+5) في طرابلس، وهي المرة الأولى التي تجتمع فيها اللجنة بالعاصمة الليبية، وقد أكد “تاونسند” خلال الاجتماع (والذي حضره المبعوث الأمريكي الخاص إلى ليبيا) على دعم واشنطن الكامل لإجراء الانتخابات في موعدها فضلاً عن الالتزام بتوحيد المؤسسة العسكرية ووقف إطلاق النار وخروج المرتزقة والقوات الأجنبية من ليبيا، كما يعكس النشاط الأمريكي الملحوظ تنامي مخاوف واشنطن من النفوذ الروسي المتصاعد في ليبيا.

قرار جديد من مجلس الأمن:

وقد انعكست حالة التباين في المواقف الدولية وتنافس الأدوار والنفوذ في ليبيا على اجتماعات مجلس الأمن الأخيرة المتعلقة بالملف الليبي، فقد وافق أعضاء مجلس الأمن الدولي بالإجماع في 30 سبتمبر الماضي على قرار تمديد تفويض البعثة الأممية في ليبيا حتى نهاية يناير 2022، ويأتي هذا القرار بعد خلافات حادة هيمنت على مباحثات القوى الدولية الكبرى بشأن مهام البعثة الأممية التي انتهت مهامها في نهاية سبتمبر بناء على التمديد الذي منحه مجلس الأمن في اجتماعه الأخير في منتصف سبتمبر 2021، والذي كان قد شهد معارضة روسية لإشارة نص القرار المقترح بانسحاب المرتزقة والقوات الأجنبية من ليبيا ومستقبل المبعوث الأممي، قبل أن يتم التوافق على التمديد المؤقت للبعثة لمدة أسبوعين تنتهي بنهاية سبتمبر لحين التوافق بين أعضاء المجلس حول مدة التفويض ومهام البعثة.

وقد طرحت المملكة المتحدة مشروعاً لقرار جديد بشأن تمديد عمل بعثة الأمم المتحدة حتى سبتمبر 2022، وهو ما لاقى أيضاً اعتراضا روسياً بشأن النصوص الخلافية ذاتها، وهو ما دفع المجلس إلى التصويت إلى تمديد تفويض البعثة إلى مدة محددة تنتهي في نهاية شهر يناير المقبل، وهو ما يطرح العديد من القيود على مهام البعثة الأممية ويضعف موقف مبعوث الأمم المتحدة الخاص.

مؤشرات متناقضة:

في الواقع، تتزايد حالة الغموض التي تهيمن على المشهد الليبي، فثمة مؤشرات متضاربة حول مستقبل الانتخابات المقررة بنهاية ديسمبر المقبل، ففي حين تعزز بعض المعطيات الراهنة احتمالية الالتزام بالموعد المحدد لإنجاز الاستحقاقات الرئاسية والبرلمانية، هناك دلالات أخرى ترجح سيناريو التأجيل وتشير إلى أن إجراء الانتخابات في موعدها بات مستبعداً.

ومن أبرز المؤشرات التي ترجح إجراء الانتخابات في موعدها هو إعلان المشير “خليفة حفتر” بشكل رسمي تعليق مهامه كقائد للجيش الوطني الليبي لمدة 3 شهور، وتفويض الفريق أول “عبد الرزاق الناظوري” في منصب القيادة العامة خلفاً له بشكل مؤقت لحين الانتهاء من الانتخابات، في إشارة واضحة إلى استعداد حفتر للترشح في الانتخابات المقبلة، وتجدر الإشارة إلى أنه وفقاً للمادة (12) من قانون الانتخابات الرئاسية الصادر عن مجلس النواب والذي ينظم عملية انتخاب الرئيس، يجب على العسكريين الذين ينوون الترشح في الانتخابات تعليق مهامهم قبل نحو 3 أشهر من موعد الاقتراع، كما يحق لهم العودة لمناصبهم حال عدم فوزهم في الاستحقاقات، وبالتالي فاعلان حفتر تعليق مهامه تعزز من فرضية إجراء الانتخابات في موعدها.

كذلك، أشارت عدة تقارير ليبية إلى أن ثمة جولة مغلقة من المباحثات بين مجلس النواب الليبي ومجلس الدولة في المغرب لمحاولة حلحلة الخلافات المتفاقمة بينهما بشأن ترتيبات الانتخابات، ووفقاً لهذه التقارير فإن السفير الأمريكي لدى ليبيا ” ريتشارد نورلاند” سيتولي إدارة عملية التفاوض بين الوفدين، ومن ثم ربما تمثل هذه الخطوة محاولة أمريكية جادة لرأب الصدع الداخلي والضغط على كافة الأطراف للالتزام بالموعد المحدد للانتخابات.

أيضاً، تناول تقرير صادر عن موقع “الشرق” السعودي وجود تحركات فعلية على من قبل تركيا للبدء في عمليات سحب المرتزقة الأجانب التابعين لها في غرب ليبيا إلى خارج البلاد، حيث رصدت هذه التقارير وجود حراكاً في غرب ليبيا يتضمن تجميع عدد من المرتزقة في معسكرات للاستعداد لترحيلهم خارج البلاد، وتمثل هذه الخطوة محدداً هاماً ربما يرجح احتمالية إجراء الانتخابات في موعدها في ظل التغيرات النسبية في الموقف التركي إزاء الملف الليبي بعد مؤشرات التقارب بين القاهرة وأنقرة.

لكن، في المقابل هناك العديد من المؤشرات التي ترجح احتمالية تأجيل الانتخابات، وهو ما أكده التقرير الصادر عن مجلة الأيكونومست The Economist والذي أشار إلى أنه على الرغم من حالة الهدوء النسبي على الأرض في الداخل الليبي، بيد أن إجراء الانتخابات في الموعد المخطط له باتت مستبعدة، وذلك في ظل المعطيات الداخلية المعقدة، فضلاً عن وجود بعض الأطراف الخارجية التي ربما تسعى إلى عرقلة إجراء الانتخابات في موعدها المقرر للحفاظ على مناطق نفوذها(أشار التقرير إلى تركيا وروسيا).

ومن أبرز المؤشرات أيضا التي تعزز من احتمالية تأجيل الانتخابات هو استمرار حالة الانقسام الداخلي بين المؤسسات الليبية، والخلافات القائمة بين الأطراف المختلفة بشأن ترتيبات ما قبل الانتخابات، سواء فيما يتعلق بالقاعدة الدستورية الحاكمة، أو فيما يتعلق بالمليشيات المسلحة المنتشرة في غرب ليبيا، في ظل تهديد بعض الأطراف ( جماعة الإخوان) باحتمالية اللجوء إلى العنف لعرقلة أي ترتيبات لا تخدم مصالحهم. كذلك يجب الأخذ في الاعتبار مؤشر آخر يتمثل التصريحات التي بدأ بعض المسئولين في الحكومة المؤقتة بترديدها بشأن بقاء احتمالية تأجيل الانتخابات قائمة.

ولعل التقرير الذي نشره موقع “أفريكا إنتلجنس” الفرنسي في الـ 30 من سبتمبر الماضي يجسد بوضوح هذا الأمر، فقد أشار التقرير إلى وجود ضغوطات تقوم بها عائلة “آل دبيبة” للدفع نحو تأجيل الانتخابات، وقد ألمح التقرير إلى دور نشط يقوم به “إبراهيم على الدبيبة” ابن شقيق رئيس الحكومة الليبية “عبد الحميد الدبيبة”، والذي عمد إلى توجيه أعضاء الحكومة والسفراء إلى ضرورة الالتزام بالترويج لفكرة تأجيل الانتخابات وخفض التوقعات بشأن إمكانية إجرائها وذلك في المحافل الدولية بما في ذلك اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة.

وتجدر الإشارة إلى محدد آخر يرتبط بما بعد الانتخابات، فحتى حال إجراء الانتخابات في موعدها المقرر بنهاية ديسمبر، لا تزال هناك إشكالية أخرى ترتبط بمدى قبول النتائج التي ستسفر عنها عملية التصويت، في ظل تصاعد احتمالات رفض بعض الأطراف الداخلية الاعتراف بمخرجات هذه الانتخابات، وهو ما قد يفاقم حالة الانقسام.

في النهاية، لا يزال المشهد ملتبس في الملف الليبي، بيد أن حالة الزخم تشهد تنامياً مستمرا وملحوظاً كلما أقترب الموعد المحدد للانتخابات، ولم يعد هذا الأمر مقتصراً على الأطراف الداخلية التي تسعى لتعزيز فرصها في حسم المنافسة (حال إجراء الانتخابات)، بل بات الأمر متعلقاً أيضاً بالفواعل الخارجية المنخرطة في الملف الليبي والتي تسعى لتجنب تهميشها خلال الفترة المقبلة أو الحفاظ على المكتسبات التي حققتها خلال السنوات الماضية، ومن ثم ففي ظل حالة التشظي والانقسام الداخلي، فضلاً عن التنافس التباين الخارجي لا تبدو الصورة واضحة بشأن مستقبل الاستحقاقات البرلمانية والرئاسية المقبلة، وإذا كان الجدل والغموض يهيمن على فكرة إجراء الانتخابات من عدمه، فإن الأمر لا يختلف كثيراً بشأن الأسماء المطروحة على الطاولة والتي ربما تتنافس على منصبي الرئيس ورئيس الحكومة، حيث باتت خريطة المرشحين المحتملين معقدة وتشهد أسماء جديدة، لعل أبرزها “سيف الإسلام القذافي” الذي عاد إلى المشهد بشكل كبير وبات احد أقطاب المعادلة المحتملة للمرحلة المستقبلية، وفي الأخير في الوقت الذي لا تزال فيه الشكوك قائمة حول إجراء الاستحقاقات في الموعد المحدد، إلا أن الشيء المرجح هو أن أي انتخابات ليبية مقبلة لن تفرز شخصية قوية تهيمن على المشهد، لكنها ستنتج صيغة توافقية أقرب إلى فكرة القائمة التي تتقاسم المناصب.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى