تقارير

المرأة الليبية بين زمنين زمن الوثيقة الخضراء الدستورية لحقوق الانسان في عصر الجماهير وبين زمن ” عندكم ولايا “

منذ شباط/فبراير 2011،  تعيش المرأة الليبية وضعا صعبا بعد ان باتت هدفا سهلا لكل أنواع الانتهاكات والإقصاء في واقع يتميز بالانفلات الأمني وغياب العدالة بعد أن كرس التدخل الغربي في البلاد لانهيار مؤسسات الدولة ونشر الفوضى وتسليم مفاتيح السلطة للمليشيات المسلحة التي أعملت في البلاد والعباد قانون الغاب في ظل تمتعها بالإفلات من العقاب.
وتعد النساء والأطفال أهدافا سهلة في الحروب والنزاعات المسلحة، فهم يشكلون أغلب الضحايا،  سواء من القتلى أو الجرحى أو اللاجئين أو النازحين أو المشردين في العالم. وكغيرها من النساء في الدول التي تشهد حروبا وصراعات،  عانت المرأة الليبية ومازالت تعاني من الانتهاكات بين قتل وتهجير ما سلبها تدريجياً حقها الطبيعي في الشعور بالأمان.
بداية التحدي للمرأة الليبية كانت مع في أعقاب اندلاع أزمة العام 2011، التي أفرزت خليطا من المليشيات والعصابات والجماعات الارهابية التي لا تميل إلى المساواة بين الجنسين،  وترى في خروج المرأة من منزلها عورة وذنبا.حيث سارعت هذه الجماعات المسلحة الى ترهيب وتهديد الناشطات والمدافعات عن حقوق الإنسان لمنعهن من المشاركة في الشؤون العامة،  ومن الدعوة إلى ضمان حقوق المرأة ونزع السلاح.
وسلطت التنظيمات الإرهابية،  عنفها على المرأة الليبية .
في سنة 2014،  كان أول عملية اغتيال سياسي في حق امرأة ليبية، هي المحامية سلوى بوقعيقيص، التي اغتيلت برصاصة في الرأس في منزلها ببنغازي،
وقبل ذلك بأسابيع وتحديدا في 29 مايو عام 2014، قتلت الصحافية والناشطة الحقوقية نصيب ميلود كرفانة بعد أن خطفت مع خطيبها، في مدينة سبها.وقالت تقارير اعلامية ان نصيب اغتيلت على يد عناصر داعش ليبيا ذبحا مع خطيبها محمد أبو عزوم،  إذ وجدت آثار تعذيب على جسديهما وألقيت الجثتان في شوارع سبها.
وتوالت سلسلة الاغتيالات في مدن مختلفة، حيث أغتيلت فريحة البركاوي حينما تعرضت يوم الخميس السابع تموز/يوليو 2014 لوابل من الرصاص في إحدى محطات التزود بالوقود في مدينة درنة.وفي 21 من نوفمبر عام 2014، هز اغتيال الناشطة الليبية الشابة،  سارة الديب، ا في منطقة “حي الأندلس” بالعاصمة طرابلس،  الأوساط الثقافية والحقوقية في ليبيا.
وفي 17 شباط/فبراير 2015،  أطلق قناص الرصاص على زينب عبد الكريم،  زوجة مدير مديرية أمن بنغازي سابقا العقيد فرج الدرسي،  الذي اغتيل أيضا،  عندما كانت في سيارتها مع أبنائها،  مما أدى إلى اصابتها في الرأس اصابة حرجة نقلت على إثرها للمستشفى ليعلن عن وفاتها يوم 21 من نفس الشهر متأثرة بإصابتها.
وفي 23 من فبراير عام 2015، أغتيلت الناشطة انتصار الحصائري،  التي وجدت مقتولة بأداة حادة .
استمر مسلسل قتل المرأة الليبية حيث اغتيلت المحامية حنان البرعصي في وضح النهار من قبل مجموعة ملثمة تتبع نجل حفتر صدام حفتر ، والمحامية حنان البرعصي محامية وناشطة حقوقية وناشطة على صفحات السوشيال ميديا حيث اغتيلت في مدينة بنغازي يوم 10نوفمبر 2020 ، قبل اغتيال المحامية حنان البرعصي خطفت عضو مجلس النواب الليبي بعد عودتها من اجتماعات كانت تعقد في العاصمة المصرية القاهرة ، حيث اختطفت النائبة سهام سرقيوة يوم 17 يوليو 2019 ومنذ ذلك التاريخ اختفت النائبة سرقيوه ومصيرها مجهول الى الان .
هذه الاغتيالات مثلت جزءا من الواقع المرير الذي تعيشه المرأة الليبية منذ العام 2011، والذي تخللته العديد من الانتهاكات على يد الميليشيات المسلحة،  فبعد تعرضها للضرب والشتم حينما اصطفت أمام المصارف لساعات مطولة في انتظار دورها،  تجد دور الانتهاك النفسي والجسدي في انتظارها،  إلى جانب ما تواجهه النساء المُهجرات واللاجئات داخل بلدهن من ابتزاز واستغلال.
ويمكن القول بأن صرخة “عندكم ولايا” التي غصت بها قلوب الليبيين العام 2016،  فيما لا يزال صداها يعصف في أذهان الكثيرين،  قد لخصت المعاناة التي شهدتها المرأة الليبية. عندما أظهر مقطع الفيديو انتشر على المواقع الاجتماعية،  إحدى النساء الليبيات تتعرض للاغتصاب من قبل عدد من المسلحين في أحد المقرات التابعة لهم رغم توسلاتها لهم بإخلاء سبيلها،  مع صرخة الأم “حرام عليكم… عندكم ولايا” وهي تتوسل المعتدين لكي لا يؤذوا ابنتها.

وعلى الرغم من وجود اتفاقيات دولية متعددة تهدف إلى حماية المرأة المستضعفة فإن الإيذاء لا يزال مستمرا،  في مناطق النزاعات والحروب. وتعتبر الحالة الليبية جزءا من منظومة العنف المسلط ضد المرأة والذي كرسته حالة الفوضى التي عصفت بالبلاد منذ العام 2011. فأن الليبيات تعرضن للإساءة والعنف والتعذيب والسجن والاغتصاب والحجز والقتل والاغتيال كما يحدث في ظل الحروب دوما ورغم غياب الإحصائيات الرسمية لعدد النساء المعنفات أو المتضررات إلا أن هذا الأمر ثابت وبشكل متكرر.
ففي نوفمبر 2017، كشف المبعوث الأممي إلى ليبيا،  غسان سلامة، عن مقتل 33 امرأة ليبية وإصابة 41 أخرى،  منذ مطلع العام 2017 جرّاء أعمال العنف في البلاد. ودعا إلى “حماية جميع النساء والفتيات في ليبيا من العنف”،  مشيرًا إلى أنه “يتعين للقضاء عليه بذل مزيد من الجهود للوصول إلى النساء في جميع أنحاء البلاد،  بمن فيهن اللواتي ينتمين إلى أشد الفئات حرمانًا وتهميشًا،  كالنازحين داخليًا والأقليات والشعوب الأصلية والسكان المتضررين من النزاع واللاجئين والمهاجرين.
وأكد المبعوث الأممي أن “انتشار الأسلحة في ليبيا يضر بشكل مجحف بالنساء والفتيات،  إذ ما زلن يتعرضن إلى الاحتجاز التعسفي والحبس في سجون بلا حارسات،  كما أن النساء والفتيات المهاجرات معرضات بشكل خاص للإساءة،  بما في ذلك الاغتصاب وغيره من أشكال العنف الجنسي والضرب والاحتجاز لأجل غير مسمى في ظروف مروعة”.
ومن جهتها دعت منظمات ترفع شعار حقوق الانسان  السلطات الليبية إلى تحمل مسؤولياتها عن حماية النساء من التعرض للعنف بإصدار التشريعات اللازمة لذلك. وقالت المنظمة في بيان لها في نوفمبر 2017،  إن حوالي نصف النساء اللاتي تعرضن للعنف تأثرن بذلك،  وأصيبت منهن نحو 74% بالاكتئاب،  وبقيت حوالي 26% في حاجة إلى العلاج. وشددت المنظمة،  بمناسبة اليوم العالمي لمكافحة العنف ضد المرأة،  على ضرورة العمل على حماية النساء المهاجرات وضمان تلقيهن للمساعدة الملائمة وحمايتهن من الإيذاء والاستغلال.

ويلقى وضع المرأة الليبية الحاضر الضوء على ماضيها ليعكس فروقا كبيرة بين حاضر الانتهاكات وماضي المكتسبات فكأن انخراط المرأة الليبية واضحًا في كافة انواع ومراحل التعليم ،  مما ساعد الليبيات على التحصيل العلمي،  ومن ثم الانخراط في العمل في مجالات مختلفة.
وبدت ملامح النهضة النسوية مع أول جمعية نسوية مقرها بنغازي تطالب بحق النساء في تقلّد مناصب سيادية وعلمية عليا، على يد السيدة حميدة طرخان المعروفة باسم حميدة العنيزي عام 1954، مكسبا مهما للمرأة الليبية لتحقيق طموحاتها والمشاركة في الحياة الاجتماعية والسياسية في البلاد. الا انها لم تصل الى الغايات المرجوة
جاءت ثورة الفاتح من سبتمبر بقيادة الزعيم الليبي الراحل معمر القذافي، لترسم ملامح جديدة لتطوير واقع حقوق المرأة الليبية، من خلال اعطائها مكانتها التي تناسبها في المجتمع. فقد دعا الزعيم الليبي منذ اللحظات الأولى لثورة الفاتح من سبتمبر عام 1969، لإنعتاق المرأة من خلال تشجيع الليبيات على ممارسة حقوقهن وعلى المساهمة بفعالية في كل مجالات الحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية في البلاد.
وكان البيان الأول للثورة الليبية الذي تم بثه فجر الفاتح من سبتمبر 1969 واضحا من خلال إعلانه الصريح لحرية البلاد وتحقيق المساواة بين الرجل والمرأة دون تمييز وجاء الإعلان الدستورى بتاريخ 17 ديسمبر 1969 ليؤكد على “أن كل المواطنين الليبيين متساوون أمام القانون” في حين أكد إعلان قيام سلطة الشعب يوم 2 مارس 1977 “أن السلطة في ليبيا يمارسها الرجال والنساء من خلال المؤتمرات الشعبية وأعطى هذا التوجه دفعا هاما لعملية تحرر المرأة وإنعتاقها وإندماجها في الحياة العملية للبلاد وتعزز هذا التوجه بترسانة من القوانين دعمت المبادىء التي أعلنتها ثورة الفاتح من سبتمبر وعززت من الحرية التي إكتسبتها المرأة.

وتمكنت المرأة في ليبيا، في ظل الحقبة الجماهيرية من كسر العديد من القيود التي كانت تعرقل حركتها وتؤخر تقدمها.وقد تحصلت على قسط وافر من الاهتمام القانوني في منظومة التشريعات القانونية السابقة،  بالمقارنة مع دول عربية عدة.حيث اتجهت التشريعات التي صدرت نحو دعم حقوق المرأة وتعزيزها.
وقد تمثّلت البداية بصدور القانون رقم 10 لسنة 1984 بشأن الزواج والطلاق وآثارهما والذي كان منصفا للمرأة بامتياز ومنحها كامل حقوقها المقررة شرعاً،  وأضاف عليها امتيازات أخرى كحق الحاضنة في بيت الزوجية. والمميّز في هذا القانون ليس فقط تعرّضه لأغلب المسائل الشائكة المترتّبة على الزواج والطلاق،  بل تضمينه نصاً يسمح بتطبيق مبادئ الشريعة الإسلامية الأكثر ملاءمة لروح القانون في حالة عدم وجود نص. وقد منح هذا النص القاضي فرصة للاجتهاد في اتجاه تعزيز حقوق المرأة.
وفي السنة التالية،  صدر القانون رقم 16 لسنة 1985 بشأن المعاش الأساسي. وقد ألزم الدولة بكفالة الأرامل والمطلقات،  وقرر للأرملة التي لا تجد موردا كريما للعيش معاشا أساسيا يضمن لها حياة كريمة (المواد 7 إلى 12).بالإضافة إلى ذلك،  أكّد القانون رقم 12 لسنة 2010م المتعلق بالعمل على أن حق العمل واجب لكل المواطنين ذكوراً وإناثاً (المواد 2، 24، 25).كما أكد على ضرورة تشغيل النساء في الأعمال المناسبة لطبيعتهن وعدم جواز التمييز ضد المرأة،  بل قرر تمييزاً إيجابياً لصالحهن بخصوص مدة إجازة الولادة مدفوعة الأجر بالكامل والتي حددت بثلاثة أشهر. فضلاً عن ذلك،  أعلن القانون مبدأ مساواة المرأة والرجل في الأجر.

وكان ابرز مكسب تحقق لتعزير حرية المرأة الليبية واعلاء دورها في الحياة الاجتماعية والقيادية والوظيفية من دسترة لحقوق المرأة الليبية ما تضمنته الوثيقة الخضراء الكبرى لحقوق الانسان في عصر الجماهير أفردت جانبا مهما لحقوق المراة شكل رافدا اخر لتعزيز حرية المراة الليبية ، وقد تُوّج هذا التوجه بالتصديق على اتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة (سيداو) سنة 1989، حيث مثلت هذه الاتفاقية إنعكاس مباشر على تولي المرأة المناصب القضائية،  فلم  تعد هذه المناصب حكرا على الرجال كما كان الأمر عليه في السابق.وتأكيداً على هذا المسار،  ومن باب تعزيزه وتحصينه،  تم إصدار القانون الأساسي رقم 20 لعام 1991 الذي يعد بمثابة وثيقة دستورية في ذلك الوقت بغياب دستور في البلاد.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى