اخبار الفن

نقد مسرحي بقلم : الناقد جمال عياد . مسرحية ( لا تصالح )

منذ أن ترددت صرخات الزير سالم «يا لثارات كليب»، بعد استيعابه لماهية مقتل كليب، ليس بوصفه شخصاً بشرياً، وإنما بوصفه يمثل حلماحضاريا نقل المجتمع المتفرق المتشرذم قبلياً، إبان «الحياة الجاهلية»، إلى مجتمع الدولة التي حمل لواءها.. منذ ذلك الحين وصدى هذهالصرخات يتردد بثبات.

وكان المخرج حكيم حرب ممن تناولوا هذه السيرة الزاخرة بتعدد التأويل والمعنى مسرحياً، في العمل الذي حمل عنوان «مأساة المهلهل» وقُدمفي عام 2014، مجسدا فضاء مأساوياً مستنداً إلى التجريب، إذ قدم حرب معالجة أعاد من خلالها صياغة متن الحكاية الشعبية للزير سالم،ونقلها من أجوائها كفرجة من السير الشعبية، إلى تجربة مسرحية اكتست بعناصر التراجيديا على مستوى الجماليات، وتضمن محتواهاغنىً على مستوى الفكر والرسائل، وخصوصا مسألة روح التخطي التي يتمتع بها الأبطال التراجيديون والمتمثلة باستحالة الرجوع عمّا أرادوافعله حتى ول? كان الموت متربصا بهم.

ويعود حرب إلى تقديم هذه السيرة مجددا، مؤلفا ومخرجا، ولكن هذه المرة بعنوان «لا تصالح»، مع فريق من المسرحيين الشباب والهواة، وذلكعلى مسرح الشمس بالعبدلي، مؤكداً على وصايا كليب التي كتبها بدمه لأخيه الزير سالم بعد أن غدر به «جساس»، والتي تلح محمولاتهاعلى عدم مصالحة «جساس» بما تحمله هذه الشخصية من دلالات في الواقع المعاش للمشاهد، وإعادة هذا الحلم المستحيل تحققه، سواءعلى المستوى السطحي بعودة كليب حياً، أو على مستوى البناء العميق المتمثل في تحقيق حلم كليب.

في هذا العرض، وعلى مستوى الفكرة والرؤية، ذهب حرب نحو الفضاء الفانتازي، إذ إنه عندما قدم أحداث المسرحية، وعبر حكاية داخلحكاية، أعاد الزمن للوراء، لفكرة إحياء كليب، فجاء تصميم حيز الحركة على الخشبة دائريا، أطّرته سكة الحديد المتصلة لتحقق المعادلالموضوعي لحركة المكان والزمان الدائريين في الكون، من باب عودة الكائنات الإنسانية دائما إلى مكان انطلاقها نفسه، في زمنيها الداخليوالخارجي على السواء.

قدمت الرؤية الخراجية، في إنشائها للقطار بدلالته البصرية وحركته الدائرية، معالجة بارعة لجهة تأكيد البعد الفلسفي الذي أراد العرضتحقيقه من جهة، وفي إبراز المقترحات والحلول الإخراجية من جهة أخرى، سواء بتحقيق مسألة العودة بالزمان إلى الوراء والرجوع منه مرةأخرى، أو بإظهار مواقع المعارك بين «بني بكر» وتغلب» وأماكن قصري «التبع» و«كليب» وغيرها من فضاءات تحققت بفضل هذاالتصميم المميز.

وعمّق من حضور الشكل الفانتازي في العرض، استخدام اللغة الفصحى إلى جانب العامية واللغة الإنجليزية، وتوظيف الأجواء الجادة إلىجانب الساخرة، الأمر الذي جعل نظام التواصل متعدداً متقلباً جاذباً لأحاسيس المتلقين لأنه لا يسير على وتيرة واحدة.

كما لعبت أزياء الملابس التجريدية، والأقنعة والوجوه للشخوص مع أساليب الإضاءة، دورا في تعميق الحالة الإيهامية لظهور الفضاءاتالفانتازية.

وأسهم البناء الصوتي، في طرح محمولات العرض، وبخاصة عبر جماليات الأغاني المسجلة المتضمنة وصايا كليب لأخيه المهلهل، التيتمايزت فيها أصوات المنشدين مع المنشدات، كاشفة عن الحزن الجليل على موت كليب ووأد حلمه.

وعمّق تصميم الشخوص، خصوصا في مظهرها الخارجي، من ظهور الحالة الاجتماعية من حيث تقسيم شخوص المسرحية إلى فئتين: طبقةالسادة، وطبقة العوام.

وأبرزت أساليب الإضاءة في العرض أجواء القتامة، خصوصا على المستوى الرمزي الفانتازي من الفضاء في عمق المسرح، بينما جاءتالإضاءة واقعية منتشرة في المستوى الأمامي للمسرح.

يشار إلى أن تصميم الديكور والأزياء حمل توقيع هالة شهاب، وصمم ماهر جريان الإضاءة ونفذها، وتولى عبد الحليم أبو حلتم التأليفالموسيقى، وأشرف سيف الخلايلة على التقنيات الصوتية، وأدار فارس قسيسية خشبة المسرح. وشارك في العرض الممثلون: محمد الشخاترة،وإبراهيم العلمي، فرح جابر، بندر مخامرة، أندرو عوا، خالد الشيخ، حيدر صالح، جنى باسم، وشام رائد.المخرج المسرحي حكيم حرب

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى