مقالات وآراء

عندما يحكم الحمقى

قورينا

بقلم د/ مصطفى الفيتوري

هذة سلسلة من الملاحظات على الولايات المتحدة مبنية على ما جرى ويجري في الانتخابات الرئاسية وخلفيتها متابعة عن قرب للشأن الأمريكي وهدفها معرفي. متابعتي الدقيقة للشأن الأمريكي على مدى العقود الثلاثة الماضية جعلني اعتقد أن العالم معنيّ بما يحدث فيها لأنها قوة خارقة يمكن أن تكون قوة غاشمة للشر او العكس وهذا يتوقف على من يقودها.
1. واخيرا نطق أبليس:
@ ترصدت فترة الانتخابات شخص واحد بعينه أد عبره يمكن فهم الكثير مما يجري الا انه صمت صمتا غريبا ويكاد يكون مطبقا: أنه ستيف بانون الذي سبق لي أن كتبت عنه في مرات سابقة ولكن الرجل نطق أخيرا ولم ينطق الا كفرا! امس تم حظر حسابه على التويتر نهائيا وتم أيضا وقف برنامجه المسموع من يو تيوب. ما ادى الي ذلك أنه دعى علنية الي اعدام مدير أف.بي.اي. والدكتور فوسي رئيس فريق مكافحة كرونا في البيت الأبيض وتعليق رؤوسهم على العصي على جانبي البيت الابيض! السبب أنه يعتبرهما قد أضرا بترمب دون ان يقول أن ترمب قد خسر الأنتخابات! أن تكلم بانون يستمع له الكثيرين في أمريكا وقد سبق أن قلت أنه مهندس فوز ترمب وهو من أخلص رجاله بالرغم من أن الرئيس طرده من البيت الأبيض بعد مرور وقت قصير جدا من تعيينه ككبير الإستراتيجيين الا انه ظل مخلصا كأحد حواري عيسى عليه السلام! أيكون رئيسا يوما؟ ان لم يكن هو فأحد مريديه سيكون حتما!
@ بانون تم القبض عليه واطلاق سراحه الصيف الماضي بكفالة لأنه كان يجمع التبرعات بطريقة غير قانونية من أجل بناء جزء من الجدار على الحدود مع المكسيك وأهمية الجدار تكمن في أنه أحد اهم وعود ترمب للأمريكيين واتماه جزء منه يعزز حظوظه في الفوز بولاية ثانية. ومع ثقل التهم الموجهة اليه الا ان بانون تحول الي بطل قومي برغم كل تنظيره لليمين المتطرف او بسببه. تماما كما تحول النقيب أولفر نورث من خارج عن القانون في صفقة ايران ــ كونترا في رئاسة ريغن الي بطل تاريخي! بانون كان العقل وراء ترمب والأيدلوجي وراء كل ترهاته. رجل المنطق المقنع لرجل التفاهات!
@ ان كان بانون العاقل المفكر فترمب الجاهل المهرطق ودون ان يدري كثيرا ما يضر بنفسه دون أن يعلم ضد نصائح بانون. بانون امتد أثره في السنوات العشر الأخيرة الي أوربا وتحول الي عراب اليمين فيها من أيطاليا الي النمسا مرورا بفرنسا وحتى تشيكيا وبولندا حيت يحكم متطرفون أخرون هناك. بولندا لها رمزيتها فأنهيار الاتحاد السوفييتي بداء فعليا من هناك في نهاية السبعينيات ولهذا هي نظيرا لجدار برلين،رمزيا، في عقيدة اليمين الأمريكي.
@ خطورة بانون تكمن في تنظيره للهراء ليتحول الي رسالة مقنعة ملئوها التضليل الذكي. ان كان من أب لـ”البديل اليمني” الأمريكي او Alt Right فهو بانون مع عدم انكار أدوار أخرين مثله ومن ذات المدرسة. لو قبلنا أن ناعوم تشكومسكي الأب الروحي لليسار الأمريكي بعد الحرب العالمية الثانية فبانون هو الأب الروحي لليمين وان لم يكن قابلته يوم ولادته! اليمين البديل هذا هو من يهدد أمريكا من الداخل وهو عبارة عن تحالف مجموعات يمينية ــ ومنها مليشيات مسلحة خاصة في الغرب الأمريكي والجنوب وعلى حوافه شمالا ..الجنوب لأنه كان مناصرا للعبودية وخاض الحرب الأهلية لأجل أستمرارهاــ ومن أشهر حركات اليمين البديل اليوم “صبية المجد” الذين تلآلآ نجمهم في السنتينين الأخيرتين ومتهمون بالعنف ضد السود وهم من أشد أنصار ترمب ورفض مرارا ادانتهم ولكنه أضظر لإدانتهم في أواخر الحملة الأنتخابية هذا العام نتيجة الضغط الشعبي والإعلامي عليه مما جعله في موقف محرج.
@ تأثير بانون (خاصة أن نجا من السجن وهو ما أتوقعه) وترمب حتى وأن خرج من الرئاسة سيستمر لعقود آتيه وسيحتاج الي موجة ضاربة عاتية كموجة انتخاب اوباما ليتقلص. لفت نظري من يومين أستخدام نائب الرئيس مايك بنس لمصطلح “الحركة” في أحد تعليقاته القليلة على الانتخابات. لم يقل الحزب الجمهوري الذي رشحه انما قال “الحركة” واصفا اياها بأنها تجديد لأمريكا من الداخل وأنها ستستمر. ثم غرّد أبنيّ ترمب بأنتقاذات قاسية ضد الحزب الجمهوري منقذين تقاعسه عن الدفاع عن والدهما. نائب الرئيس بنس هذا طبعا مسيحي يميني معتق ويعتقد أنه وترمب مبعوثين من العناية الإلهية لأنقاذ أمريكا ويكاد يستحق لقب بن لدن المسيحي لدرجة أنه لا يختلي بأمرأة حتى في العمل الا مضطرا ويرفض رفضا قاطعا تناول وجبة مع نساء دون حضور زوجته مهما كانت الأسباب..ويٌنسب اليه ذات مرة قوله انه لولا الخجل لرفض مصافحة النساء نهائيا.. داعشي كالبغدادي وأن بلغة اخرى!
@ امريكا تخلب الألباب وتلهب المشاعر كتجربة انسانية تكاد تكون فريدة ولهذا هي كذلك بالنسبة لي..خلبت لبي منذ ان عرفتها وتحاشيت الذهاب اليها للدراسة لأيماني بانني أن فعلت فلن أعود أبدا!..تجربة بشرية قد لا تتكرر في عمر الأنسانية. دول أمريكا الشمالية (المكسيك وكندا) ودول أمريكا الجنوبية هي نتاج لذات الأسباب التي انتجت الولايات المتحدة الا ان الولايات المتحدة شدت عنها جميعا! تختلف جذريا حتى عن كندا جارتها القريبة وشبيهها في كل ما هو خير وانساني ونقيضها في كل شئ أخر!
@ أمريكا وليدة حروب العالم ومأسيه ألا ان براعة مؤسسيها أنهم أرادوها دولة فريدة من نوعها ولكن تركيبتها الداخلية وتدافع حراكها الداخلي خاصة على مستوى الرئاسة جعلها في كثير من الأحيان قوة للشر اكثر منها قوة للخير وما ترمب فيها الا عابرا كعابرين سبقوه: المؤكد أنتهاءه وأستمرارها ولكن أثره لن يزول قريبا.
@ لا اتابع الإعلام العربي متى تعلق الأمر بأمريكا ولهذا لا أعرف أن كان في تغطيته للحملة الانتخابية والانتخابات ورئاسة ترمب قد شرّح الأمر لجمهوره العربي من الداخل ام لا. معرفة الدواخل هي الطريق لمعرفة الخارج وامريكا بالنسبة لنا العرب في غاية الأهمية لأنها ما فتئت ترسم حاضرنا وحتى مستقبلنا أحيانا كثيرة رغم كرهنا. لولا امريكا ما كانت اسرائيل ولولاها ما تحولت اللاءات الثلاثة الي نعم واحدة وشاملة ولولاها لما تم محو العراق وتدمير ليبيا والسعي حثيثا لإعادة صياغة الإسلام نفسه! بالمناسبة: كون ستفني وليمز أمريكية يعطيها قوة أكبر في تسوية ملف الكلاب النابحة على جثة ليبيا!

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق