مقالات وآراء

ليبيا .. والبررة ومخرجات النضال! بقلم : بريني بلبيدة

قورينا

ترتفع الأصوات من هنا وهناك تستحث المجتمع الدولي على التدخل لإيقاف التدهور في ليبيا ، فهل كانت نوايا المجتمع الدولي حين تدخله فقط الخلاص من خيام العثعث و أسوار باب العزيزية و مكتب الاتصال و الانتقال المزعوم بالليبيين إلى دولة مدنية معاصرة تحترم الحريات ؟ أم أنه لا يعنيه من تدخله هذا أن يتلذذ مزيج صغير من العرب و الأمازيغ طعم الحرية و حقوق الإنسان بقدر ما تعنيه أولويات أخرى أجدى و أهم ؟ لقد علمتنا خطوب الشرق الأوسط و مآسيه المتتالية أن المؤسسات الغربية لم تجعل يوماً من الحرية و حقوق الإنسان هاجساً للتوطين في تلك المجتمعات المنكوبة الأكثر اتهاما بالعداء للسامية و الحضارة الغربية.

إن الحقيقة التي لا يمكن تجاهلها هي أن لا موت بالنيابة لتتدخل أية قوة غربية على الأرض لإعادة الأمور إلى نصابها في ليبيا ، و أن الغرب يتحرك وفق مصالحه و استراتيجياته (الغامضة) في المنطقة لا وفق ما يدعيه من مبادئ و قيم إنسانية سامية ؛ لذا فالمرء يشعر بالشفقة على تلك الأصوات حين سماعها تلقي باللائمة على المجتمع الدولي و تستجديه إعادة الكَرة ، لقد حققت أمريكا في تقديري كل أهدافها من التدخل في ليبيا بعيداً عن كل ما يصبو إليه بقية الأعضاء في المجتمع الدولي من (العائلات) المغلوبة على أمرها في هضاب الشام و شبه الجزيرة العربية ، ومن بعض الأوربيين أصحاب النوايا الطيبة إذا سلمنا بطيب النوايا ؛ فهي لا يهمها من منطقة الشرق الأوسط ـ كما هو شائع و معروف ـ أكثر من ثلاثة أشياء رئيسية فقط أولها : مصالحها الاقتصادية و المضمونة تحت أسوأ الظروف و مع كائن من يكن على سدة الحكم في البلاد و أي كان مذهبه السياسي أو الديني ؛ فالكسر – بعد ما بذلوه في الخلاص من صدام ، و القذافي ، و نجيب الله – هو البديل لعدم الانحناء و الاصطفاف للصلاة في محراب الأطلسي ، و ثانيها : هو منع الانتشار النووي و عدم السماح للعرب و المسلمين بتكرار تجربتي إيران و باكستان في غفلة من عيون روما القديمة و العم سام ، أما الهدف الثالث و الأهم : فهو الوفاء بمقتضيات الأمن القومي (الإسرائيلي) و ضمان التفوق للدولة الوليدة ولو بمزيدٍ من الفوضى و التفتيت و (الهشهشة) لكل الدويلات المضطربة في المحيط المجاور من دوار اللؤلؤة إلى مخيمات تندوف و الحدود المغلقة في جبال أطلس و الأوراس ، و من أعالي النيل الأزرق إلى بنغازي و كوباني و جبال كردستان ، و هذا ما تحقق بالمجمل من أهداف في ليبيا الجديدة بأكثر يسر و ضمان عن ذي قبل ، و للأمم المتحدة بعد ذلك أن تعبث بالوقت كما هي في دار فور و (البوليساريو) و في ملف الصراع السوري و المتاهة اليمنية.

و إذا أردنا الحديث عن مستقبل و وحدة البلاد الليبية – بعد اقتلاع الخيمة و خروجها الدامي من المشهد – فـها هي زاخرة بحكومتين و برلمانين و بجيشي الكرامة و فجر ليبيا تتقاسمانها شرقاً و غرباً و تتقاتلان بالأسلحة الثقيلة في كبريات المدن و الموانئ و المطارات والحقول النفطية باسم الثورة و المرحلية و الأحقية في تقرير مصير البلاد (دون شريك!)، و لم يبق إلا الجنوب المهمل و الذي لن يكون مصيره في نهاية المطاف أفضل من مصير الجنوب السوداني البائس بعد التغيير (الديموغرافي) المسلح الجاري فيه بتخطيط و مباركة (الصديقة!) فرنسا.

وها هي ليبيا بفضل جهودِ أبنائها (البررة!) الذين أمضوا السنين الطوال في النضال بين الشوارع (الخلفية) و أزقة و نواصي مدن الشمال الباردة و في دهاليز المخابرات الدولية و على ابواب السفارات تسير حثيثاً نحو الإفلاس و الجوع و التقسيم و تصحو كل يوم على الجريمة و رحيل الكوادر الفنية الوطنية و الأجنبية مقتفية أثر الدويلات العربية الفاشلة من البحرين إلى سوريا إلى لبنان إلى العراق إلى اليمن إلى الصومال إلى السودان و أخريات في الطريق ، دويلات ممزقة مشتتة بحروب التدخل الدولي و التعصب العرقي و الاثني و الجهوي و بعنصرية اللون و المذهب و بأمراض القبيلة و بتخلف الأنظمة و بتمادي و سادية و ظلم (الثوار!) ، و لا يزال أولئك (البررة!) النجباء يحاولون إقناعنا بأنهم يوم شدوا الرحال للطواف غرباً كان دافعهم حب الوطن و لم يكن دافعهم الحقيقي اليأس الفردي و الفئوي و الجهوي من المنازعة في السلطة و الاقتراب من مراكز المال و الحظوة و التأثير ، و أن لا شائبة تشوب علاقتهم بمغرب الشمس و إن أفضت بنا و بهم إلى دولة فاشلة مفلسة و مقسمة تترع بالدماء و تكتظ مدنها و قراها بالمعتقلات و النزوح و التهجير و تعج بالعبور و الأفغنة و التطرف و كل جواسيس الأرض .. فإلى ما أفضت سنيين و قفزات النضال المزعوم؟!.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق