مقالات وآراء

أوتوبيسات.. بقلم: جمال الزايدي

عندما استويت على الكرسي في الحافلة المكيفة ساورني شعور بالانتعاش برغم الدوار والصداع الخفيف.. لكن طعم ما جرى بالامس مازال مرا في فمي.

عشية امس الجمعة شاء القدر المقدور ان أزور قسم الطواريء بمستشفى الخضراء بسبب تعرض زوجتي لنوبة ضيق تنفس حادة فاقمتها الرطوبة العالية.

كان الموقف بحد ذاته مرعبا لي ولاطفالي الذين رافقوني وهم يسفحون الدمع وتعتصرهم العبرات فاطفالي معلقة أرواحهم بوالدتهم على نحو لا يوصف.

داخل الطواريء كابوس آخر لايخطر بخيال أكثر الناس موهبة في التشاؤم فبينما كانت مريضتنا تناضل كطائر مذبوح من أجل القليل من الأكسجين كان طاقم الممرضات والشاب الطبيب المناوب منهمكون في “هدرزة” هادئة كما لو كانوا مجموعة مصطافين على شواطئ الريفيرا السويسرية.

لا شيء يزعج صفو مزاجهم حتى أنين المريضات والمرضى الممدين على الارائك القذرة دون أن يعبأ بهم أحد.

مشهد مستفز لاينتمي للإنسانية وقيم الرحمة والعطف التي يتشدق بها الجنس البشري ولا للصورة الإفتراضية لاكثر المهن قداسة في التاريخ.

الزملاء والاقارب يعرفون كم انني رجل هاديء مسالم قلما أفقد أعصابي ولكني أمام موقف ” أم العيال ” وهي تكاد تلفظ أنفاسها وبكاء بنتي الصبية الصبورة وبرودة ملائكة الرحمة والطبيب الغر انفجرت بعبارات مؤنبة غاضبة تحركت لها أخيرا جبال الجليد التي تتوسط صالة الإستقبال.

ربما أنهم ظنوا في هذا الرجل صاحب الصوت المرتفع أكثر من مواطن بائس لاينتمي إلى قبيلة مهابة ولا يرتبط بعلاقة صداقة مع أحد المرموقين..أو ان شيئا من ضمير قد تحرك في داخلهم.

عندها أمر الطبيب إحدى الممرضات بقياس مستوى الأكسجين ثم بطريقة عدائية طلب مني الذهاب لإحضار حقنة كان يكتب اسمها على الوصفة.

في الأثناء اقتربت منه لالطف الأجواء وأقدم اعتذاري على رفع صوتي واعبر عن تقديري لما يبذله وأمثاله من جهد.

وقد كان لهذا الأمر مفعول السحر لانه قام بتمزيق الوصفة فورا وأعاد توجيه تعليماته للممرضة البيضاء البدينة ذات القسمات الامومية الودودة لإعطاء المريضة حقنة – نسيت إسمها رغم اني سألتهم عنها أكثر من مرة – والتفت نحوي وهو يقول بلهجة ذات مغزى:- أهي الحقنة طلعت متوفرة عندنا.

مع الإبتسامة المشفرة على شفاه الممرضة الطيبة التي طلبت مني بلطف إحضار الماء البارد لزوجتي المريضة من المقهى القريب وبالمرة ” زوز نسكافيه ” لها وللطبيب على مايبدو.

فهمت بصعوبة انه لولا كرم الدكتور الشاب ماكان لهذه الحقنة ان تظهر فجأة وأنني لذلك مدين له بهذه الخدمة.

بوصولي إلى محطة نزولي من الأوتوبيس تذكرت ماقالته ابنتي التي شهدت الموقف وظلت صامتة طوال الوقت : – يا بابا كله زايد بلادنا ماعادش ولت مكان ينعاش فيه.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى