مقالات وآراء

على خلاف ما يعتقد البعض تبقى ليبيا “حاشية”في العلاقات الروسية التركية الامريكية

بقلم : فهيم تستكين

شهدت الفترة التي سبقت قمة الناتو في 14 يونيو اتخاذ تركيا سلسلة من الخطوات في منطقة البحر الأسود لإقناع شركائها الغربيين بانحيازها لهم ونزع فتيل التوترات مع إدارة بايدن حتى وان اتى هذا على حساب إغضاب روسيا.في المرحلة التالية من لعبتها المرهقة المتمثلة في لعب واشنطن وموسكو ضد بعضهما البعض، تحولت تركيا الآن إلى تهدئة روسيا وطمانتها.

استضاف وزير الخارجية “مولود جاويش أوغلو” نظيره الروسي “سيرجي لافروف” في منتجع أنطاليا المتوسطي في 30 يونيو لمناقشة مجموعة واسعة من القضايا ، من النزاعات الإقليمية وشراء تركيا لأنظمة الدفاع الجوي الروسية S-400 إلى الإنتاج المشترك للقاح كورونا. وعودة تدفق السياحة الروسية إلى تركيا.

ظاهريًا ، ترك لافروف الاجتماع بانطباع بأن تركيا لن تذعن للضغط الأمريكي للتخلي عن إس -400 بالإضافة إلى تأكيدات أن “قناة إسطنبول” – ممر مائي اصطناعي مخطط موازٍ لمضيق البوسفور – لن يعطل “اتفاقية مونترو” لعام 1936 ، والتي تعتبرها روسيا ضمانة تقيد وصول القوات البحرية الغربية إلى البحر الأسود.

كان الرئيس رجب طيب أردوغان , في محاولة لإصلاح العلاقات مع الغرب ، قد قام مؤخرًا باستثمارات ملحوظة في الجبهة المناهضة لروسيا ، حيث قام ببيع طائرات بدون طيار إلى أوكرانيا وبولندا وفتح “اتفاقية مونترو” للنقاش في وقت كانت فيه الولايات المتحدة وبريطانيا حريصتان على تعزيز وجود الناتو في البحر الأسود.

وفي أحدث تحركاته لكسب تأييد واشنطن ، عرض أردوغان قيام تركيا بمهمة تأمين مطار كابول بعد أن تكمل قوات الناتو بقيادة الولايات المتحدة انسحابها من أفغانستان في سبتمبر.

في المقابل ، كان أردوغان يأمل في تحقيق مكاسب في ملفات صعبة مع واشنطن ، بما في ذلك الخلاف حول محاكمة الولايات المتحدة للمقرض التركي العام لمساعدة إيران على التهرب من العقوبات ودعم واشنطن للأكراد السوريين.

وعلى الرغم من أن إيماءات أنقرة فشلت في إحداث أي تغيير ملموس في موقف واشنطن ، إلا أنها ساعدت في تحسين الجوء العام عندما التقى أردوغان وبايدن للمرة الأولى كرئيسين في قمة الناتو.
*

عاد أردوغان من بروكسل مرتاحًا إلى حد ما ولديه مساحة أكبر للمناورة ، وسعيدًا بتأجيله – في الوقت الحالي – تصعيدًا جديدًا في العلاقات الثنائية مع واشنطن والتأثير المدمر المحتمل لمثل هذا التصعيد على الاقتصاد التركي المتعثر.

راقب الرئيس الروسي فلاديمير بوتين عن كثب جهود أردوغان لبيع بايدن صيغة توافقية لشراء تركيا صواريخ الدفاع الجوي الروسية وابدى استيائه من ارتباط تركيا الوثيق مع أوكرانيا وبولندا وعبر عن هذا الاستياء برفضه خطة “كافوس أوغلو” والوفد التركي الذي سافر إلى موسكو في مايو لمناقشة استئناف التدفقات السياحية الروسية التي عطلها جائحة كوفيد .

التدريبات العسكرية للناتو في البحر الأسود ودخول مدمرة بريطانية إلى مياه القرم جعلت زيارة لافروف لا مفر منها.

في إشارة واضحة إلى أن موسكو مستعدة لتجاهل تعرج أنقرة من أجل القيمة الاستراتيجية للعلاقات الثنائية ، أشاد لافروف بـ “الموقف المبدئي” لأنقرة بشأن أنظمة إس -400.

وبالمثل ، من خلال استئناف الرحلات السياحية إلى تركيا وتزويدها بلقاحات COVID-19 ، سعت موسكو إلى “تخفيف التوتر” مع تركيا بعد الخلافات الثنائية حول أوكرانيا.

أنقرة ، من جانبها ، بحاجة ماسة إلى “أجندة إيجابية” مع كل من الولايات المتحدة وروسيا ، حتى مع بقاء الملفات الشائكة راكدة. في هذا الصدد أجرى أردوغان ما لا يقل عن 19 مكالمة هاتفية مع بوتين العام الماضي وستة مكالمات في النصف الأول من عام 2021.

يحرص اردوغان هذه الايام على إرضاء بوتين على أمل أن يؤدي هذا الي استقبال تركيا 5 ملايين سائح روسي هذا العام كمصدر حيوي لإيرادات العملة الصعبة.

في الأشهر الخمسة الأولى من هذا العام استقبلت تركيا حوالي 560 ألف سائح روسي . وكان عدد السياح الروس قد انخفض بسبب الوباء ، إلى حوالي 2 مليون في العام الماضي مقارنة ب6 ملايين في عام 2019.

هذه الديناميكية غير العادية في العلاقات التركية الروسية لا تعني أن موسكو قد أذعنت لتحالف أنقرة مع كييف ضد ضم روسيا لشبه جزيرة القرم ، ودعم تركيا لمساعي أوكرانيا وجورجيا للانضمام إلى الناتو ولا تعاونها مع أجندة بولندا المعادية لروسيا ؛
الا أن كلا الجانبين يحاول يحفاظ على المظهر إلايجابي للعلاقة ،

**
في محادثات “أنطاليا.”
قال جاويش أوغلو إن تركيا ستواصل العمل مع روسيا على دفع تسوية سياسية في سوريا ، والحفاظ على “الهدوء على الأرض” والحفاظ على ممرات المساعدات الإنسانية مفتوحة ، بينما أكد الوزيران على أن منصة أستانا هي الشكل الوحيد الفعال للتفاوض بشأن سوريا.
في المقابل ندد لافروف بالمحاولات “غير المقبولة” “لتعزيز النزعات الانفصالية” في شمال شرق سوريا في إشارة منه إلى تعاون الولايات المتحدة مع قوات سوريا الديمقراطية التي يقودها الأكراد

وقال لافروف إن إدلب – المحافظة الشمالية الغربية التي يسيطر عليها المتمردون الإسلاميون – تمت مناقشتها أيضًا ، لكنه لم يتحدث عن تفاهم جديد حول ادلب على الرغم من تصاعد التوترات هناك ، واكتفى بالقول إن ثلاثية أستانا ، المكونة من روسيا وتركيا وإيران ، ستجتمع قريبًا لمناقشة الأمر .

استندت حسابات تركيا قبل اجتماع بايدن وأردوغان إلى الآمل في أن تقنع واشنطن على الأقل بقصر الدعم الامريكي لقوات سوريا الديمقراطية على القتال ضد الدولة الإسلامية في مقابل جعل تركيا الأمور أكثر صعوبة بالنسبة لروسيا في غرب الفرات.

في هذا الصدد اعتبرت عديدون ان الهجمات القاتلة على الجنود الأتراك من قبل قوات مجهولة تحذيرًا غير مباشر من روسيا لتركيا لعدم التمادي في هذا المنحى.

وسعى “كافوس أوغلو” إلى استرضاء روسيا أيضًا بشأن الجدل حول “قناة إسطنبول” ، بتاكيده على إن هذا الممر المائي المزمع انشاءه لن يؤثر على مفعول “اتفاقية مونترو” مضيفا “إن قناة اسطنبول ستخضع للقوانين المحلية في تركيا وبالتالي هي خارج نطاق الاتفاقية “

يمكن اعتبار قول “كافوس أوغلو” أن القناة لن تؤثر على الاتفاقية على أنها تعهد بأن نظام مونترو سيبقى على حاله ، لكن تأكيد الوزير التركي في ذات الوقت على أن الاتفاقية لن تؤثر على “قناة إسطنبول” قد يخلق درجة من عدم اليقين. ومع ذلك ، أعرب “لافروف” عن ارتياحه للمناقشات حول هذه القضية. وقال “جرى التأكيد خلال المحادثات على أن خطط بناء “قناة اسطنبول ” لن تؤثر بأي شكل من الأشكال على معايير وجود أساطيل الدول الأجنبية في البحر الأسود”.

يبدو أن روسيا لا ترى ضرورة ملحة لإثارة هذه القضية وسط شكوك بأن القناة سترى النور في النهاية. وطالما بقيت “اتفاقية مونترو” سارية ، يمكن أن تكون القناة مفيدة لروسيا كممر مائي ثانٍ للدخول والخروج من البحر الأسود.

فيما يتعلق بمسألة إس -400 ، أعرب “لافروف “عن تقديره لما وصفه بـ “نية أصدقائنا الأتراك استخدام أول شحنة من أنظمة الصواريخ المضادة للطائرات من طراز S-400 Triumph لضمان قدرتها الدفاعية.”

ربما بدت كلمات “لافروف ” مقلقة لواشنطن ، لكنها قد تكون أيضًا مجرد تشجيع لتركيا ، على الرغم من أن الشروط التفصيلية لصفقة S-400 لا تزال غير معروفة.

التطور الآخر الذي كان رد فعل روسيا عله مهمًا هو إعلان “شوشا” الذي وقعه أردوغان ونظيره الأذربيجاني “إلهام علييف” في يونيو في “شوشا” ، وهي الجائزة الرئيسية التي حصلت عليها أذربيجان المدعومة من تركيا من حرب “ناغورنو كاراباخ” ضد القوات الأرمينية العام الماضي.

وقال “لافروف” إن موسكو تعتبر زيارة “أردوغان” إلى “شوشا” جزءًا من العلاقات التركية الأذربيجانية لا شان لروسيا به ، مضيفًا أن روسيا وتركيا ما زالا ملتزمتين بتعزيز التطبيع بين أذربيجان وأرمينيا.

ومع ذلك ، لا تبدو روسيا في عجلة من أمرها لفتح ما يسمى بممر “زنغازور” بموجب شروط اتفاق وقف إطلاق النار الذي توسطت فيه في نوفمبر لإنهاء القتال في “ناغورنو كاراباخ”.

ترى أنقرة في الطريق فرصة لتعزيز مصالحها الإستراتيجية في القوقاز ، لكن ليس سراً أن موسكو منزعجة من المساعي التركية لمزيد من النفوذ في المنطقة ، لا سيما من خلال أي وجود عسكري خارج مركز المراقبة الروسي التركي الذي افتتح في وقت سابق هذا. عام.

وإذا اختارت موسكو كبح جماح انزعاجها اليوم ، فذلك لأن بوتين يثق بالرئيس الأذربيجاني “إلهام علييف” أكثر من رئيس الوزراء الأرمني “نيكول باشينيان.”

أما بالنسبة لليبيا ، حيث دعمتا قوتان متعارضتان ، فلم تتخذ تركيا وروسيا بعد المزيد من الإجراءات خلاف تفاهم مبدئي ورد أنهما توصلا اليه في مؤتمر برلين في 23 يونيو لبدء سحب المقاتلين الأجانب بشكل متبادل.

باختصار ، لا تزال النزاعات في سوريا وليبيا وناغورنو كاراباخ تمثل تحدي ما للعلاقات التركية الروسية حيث تتناوب الدولتان بين التنافس والتعاون.

جاءت مشاركة تركيا الجريئة في خطط الناتو في البحر الأسود بمثابة تحدٍ خطير لروسيا ، مما دفع موسكو إلى تذكير أنقرة بخطوطها الحمراء في شبه جزيرة القرم.

سلسلة التحركات المحفوفة بالمخاطر ، من التدخلات في سوريا إلى شراء S-400 ، تركت أردوغان عالقًا بين الولايات المتحدة وروسيا ، مما دفعه للعب القوتين ضد بعضهما البعض.

على الرغم من أن هذه الحلقة المفرغة ( لعب القوتين ضد بعضهما) قد تكون آتت أكلها في بعض الأحيان ، إلا أنها وكلما كررت نفسها ، كلما أصبحت أكثر إرهاقًا لأنقرة.

المصدر : ميدل إيست مونيتور

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى