مقالات وآراء

اجتماع الرباط.. العبث إلى النهاية إنها ساعة النظر إلى المرآة.. بقلم محمد الأمين

لماذا انعقد اجتماع الرباط بين مجلسي النواب والدولة؟

أليس لأن مجلس الدولة أو بالأحرى خالد المشري قد رفض صيغة قانون الانتخابات الرئاسية ويريد تحويله من استحقاق مفتوح إلى مهرجان إقصاء وفرصة لاندلاع الحرب من جديد؟

لماذا ذهب ممثلو الطرفين إلى الرباط؟

أليس لكي يحسموا الخلاف حول القاعدة الدستورية، وهو دور يقع على كاهل مؤسسات أخرى هي ملتقى الحوار السياسي ولجنة 75؟

ما الذي تمخض عنه الاجتماع غير عبارات التودد والمجاملات والتصنّع؟

أصدر بيانا ختاميا اهم ما فيه دعوة المجتمعين المجتمع الدولي إلى مراقبة الانتخابات في ليبيا وضمان احترام نتائجه!!

تعطيل وأجواء مشحونة ولجنة صياغة القوانين في مجلس النواب تتبرّأ وتهدّد والناس “تحبس الأنفاس” لأجل دعوة يتيمة إلى المجتمع الدولي كي يراقب الانتخابات ويضمن احترام النتائج؟؟!! وهل كان ينبغي السفر إلى الرباط كي يستطيع هؤلاء اطلاق هذه الدعوة؟

هل كان ينبغي التلاعب بأعصاب الليبيين من اجل معارك تموضع رخيصة؟ هل كان ينبغي هرسلة العاملين على تثبيت الاستقرار المؤقت والتقدم نحو مراحل تُقرّبُنا من أجواء اقتراع طبيعي كسائر بلدان العالم المحترمة بدل كل هذا الإرباك والارتباك والأخذ والرّدّ والشدّ والجذب؟

هل الوضع الراهن مناسب لتعليق الآمال على “حالة الأجواء الإيجابية” وغيرها من التعبيرات المخاتلة والصيغ الماكرة؟

الحقيقة هي أن هذا الاجتماع لم يفضِ إلى أي شيء.. وأنه انعقد أساسا على نحوٍ موازٍ للمسارات القانونية الطبيعية على تشوهاتها وعيوبها وشُبُهاتها.. فالمسارات الرسمية ملزمة لكن هذه الزواريب والتفريعات لا يمكنها إلا أن تُهدر الوقت وتُوجِدَ مواقع لوسطاء وهميين ومراكز تأثير فقدت فرصها وجف الماء من تحتها لكنها تريد السباحة في المياه الضحلة..

نورلاند/كلام حاسم ودقيق لمن يريد أن يفهم مدى حاجة المشهد إلى العصا دون الجزرة.

قال السفير الأمريكي ببساطة أنه أجرى لقاءات مع المشاركين في مشاورات الرباط بشكل منفصل. وأنه «إذا كانت الانتخابات البرلمانية والرئاسية ستجري في 24 ديسمبر من أجل تشكيل حكومة شرعية دائمة لليبيا، فيجب أن تمضي العملية قدمًا الآن حتى يمكن بدء تسجيل المرشحين والجوانب الأخرى للتنفيذ.”

فكل العالم على وعي بأهمية الوقت إلا الليبيين.. وكل العالم مدرك بأن ما يجري عرقلة مفضوحة وتهرّبٌ مشين من الذهاب إلى الجوهر وتلهية الناس بالمناكفات حتى تضيع على الشعب الليبي فرصة تاريخية،، إلا الليبيين.

السفير الأمريكي نورلاند الذي قال أيضا انه “لا ينبغي أن يكون لأي فرد أو مؤسسة حق النقض (الفيتو) على التشريعات الانتخابية المهمة” قد حدّد بوضوح ما كان جماعة المشري يريدونه بمحاولة إسقاط قانون انتخابات الرئاسة، ووضعهم أمام المسؤولية بشكل حازم، حين بين أنه لا أحد بإمكانه اغتصاب حق الليبيين من حرية الاختيار، ولا حق الليبيين في حرية الترشح أكان هذا “الأحد مؤسسة أو فردا”، وأنه “بدلًا من ذلك، يجب على المؤسسات الليبية وقادتها أن يثقوا بالناخبين ليقرروا من يجب أن يقود البلاد”.

صحيح أن الاجتماع لم تنبثق عنه جمل واضحة فيها تعهدات أو اتفاقات.. لكن ما يسمى بحوار أو تشاور مجلس النواب والدولة الرامي عبثا إلى إعادة اتفاق الصخيرات إلى التداول، قد انتهى في تقديري إلى غير رجعة.. وربما كان اجتماع يوم أمس آخر لقاء من نوعه.. وان ما قاله السفير الامريكي نورلاند الذي حضر الجلسات ويدرك جيدا ما الذي جرى خلالها ومن قبلها، قد كان رادعا وصريحا وحاسما.

لعل انصار السيادة الوهمية، الذين لا يعارضون الارتهان والذين احتاروا حتى في تمرير جملة واحدة على مدى شهور وأعوام يستفيقون أو يتوقفوا عن مخاتلة الليبيين ومحاولة تخديرهم بالشعارات.. أين كان هؤلاء لما كانت الانتخابات قاب قوسين أو ادنى عام 2019؟

كانت مشكلة الوساطة والبعثة الأممية بالتحديد غياب الرادع والافتقار إلى الأدوات.. وكان الجميع ينادي بتمكينها من وسائل الضغط.. وتطوع المعرقلون للدعوة لمراقبة الانتخابات دوليا!! طيب، هل تضمنون حدوثها أصلا قبل أن تطلبوا حمايتها؟ ما الذي يعنيه هذا إن لم يكن بحثا يائسا عن الدور وعن الجدوى؟

اليوم أصبح من الممكن وجود بعثة أممية معززة وتمتلك أدوات المراقبة والردع.. وأصبح لديها ظهير غير ليبي على الأرض للأسف.. ظهير أمريكي مكتمل الدور ومستعد لعمل أي شيء كي يكسب معركة النفوذ ويعيد التوازنات على النحو الذي يناسب مصالحه.. فهل فعل كل هؤلاء شيئا واحدا ليمنعوا تدخل كل دول ودويلات العالم كي يمنعوا التدخل الأمريكي الذي أصبح مفروضا بقانون أمريكي وليس بمقتضى قانون ليبي؟ ما الذي فعلوه كي يحصنوا التفاهمات حتى تبقى ضمن نطاق المحاكم الليبية والقضاء الليبي؟ ما الذي فعلوه ليثبّتوا وقف اطلاق النار؟ وكي ينجزوا النصوص القانونية الضرورية لتمرير الاستحقاق دون تدخل أجنبي؟
لا شيء تقريبا..

لكن العالم لن ينتظر هؤلاء أو يتوقف على قبولهم أو رفضهم أو تلكّؤهم أو تردّدهم.. ولن يضبط حركاته وسكناته ومبادراته ومصالحه على ساعات مهترئة..

إن أقصى ما يمكن أن يفعله الليبيون اليوم للأسف هو محاولة الاستفادة من الحراك الحالي والتسابق الدولي والهبّة الأمريكية بالتحديد، وتحويلها إلى فرصة سانحة بدل التباكي الكاذب ومحاولة التمنّع..

اليوم علينا الذهاب إلى أعمال وليس إلى المناكفة والتشبث المشين المسيء لهذا البلد.

– فمن يقول أن لديه شرعية فهي فرصة له كي يجدّدها باقتراع شعبي جديد،
– ومن يدعي أنه قد ظُلم فالفرصة أمامه كي يرفع الضيم عن نفسه،
– ومن يتهم خصمه بالدم والعمالة والإجرام ويعتبرها موانع في مشهد حرب أهلية وتسويات واجتهادات للخروج بأخف الأضرار، فليتأكد من خلوّه من عيوب خصمه،
– ومن يجادل بالتدخل الأجنبي، فليقف أمام المرآة ويسأل نفسه أين كان قبل عشرة أعوام، وستكون الإجابة محرجة له تضعه أمام حقيقته وحجمه.. ليتساءل عمن أتى به أو دعمه أو موّله أو مكّنه، وليتحسس زجاج جدرانه حتى يتوقف عن إلقاء الحجارة على جدران غيره..
– ومن كان يرفض التدخل الأجنبي فليبدأ بتحرير نفسه، ويسهم في إرساء الاستقرار واحياء الدولة وحينها لن يبقى مبرر للتدخل.
– أما من يزعم عدم شرعية غيره فذلك ليس ذلك من حقه، لأن الشعب هو صاحب الشرعية ولا يحق لأحد أن يحكمه غصبا عنه،
– كن من تشاء وما تشاء لكن لا تكن عدوا لشعبك ومعرقلا للحلول ببلد، ولا تكن سببا في نزف الدماء واستعادة مشهد الاحتراب.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى