مقالات وآراء

فتش عن “المال والنفط وأمن البنوك العالمية”.. لماذا قتلوا القذافي؟

**الاستعمار على قيد الحياة وبصحة جيدة في البنوك المركزية.. والنيل من الدولة الليبية لم يكن أبدًا لأسباب انسانية

في ذكرى مرور 10 أعوام على استشهاد الزعيم الراحل معمر القذافي، نشر الكاتب الأمريكي الين بروان في فبراير 2021 الماضي، مقالا هامًا ومدققا.. في “صحيفة aia ” تحت عنوان لماذا قتلوا القذافي.. الاستعمار على قيد الحياة وبصحة جيدة في البنوك المركزية، وللأهمية الشديدة للمقال تعيد” قورينا” نشره لقراءها وإلى النص الحرفي له:-
…………
يصادف عام 2021 الذكرى العاشرة لتدخل الناتو العنيف في ليبيا واغتيال الزعيم الراحل معمر القذافي.

وكما كان يُشتبه في ذلك الوقت – وظهر لاحقًا في رسائل البريد الإلكتروني المنشورة لهيلاري كلينتون – فقد عمل حلف الناتو على منع القذافي من تأسيس بنك مركزي أفريقي، بعملته الخاصة المدعومة بالذهب، حيث كانت تلك المؤسسة ستتحدي قوة الدولار وتسمح لأفريقيا أخيرًا، بالهروب من قيودها الاستعمارية، وتتحرر القارة من العبودية الاقتصادية للدولار، وصندوق النقد الدولي والفرنك الأفريقي الفرنسي. والسماح لأفريقيا بالتخلص من آخر سلاسل الاستغلال الاستعماري الثقيلة.

وكانت قد أشارت وسائل الإعلام إلى الزيارة القصيرة التي قامت بها وزيرة الخارجية آنذاك هيلاري كلينتون إلى ليبيا في أكتوبر 2011 على أنها “جولة انتصار”. بعد قولها: “جئنا ، ورأينا ، مات!” في مقابلة بالفيديو على شبكة سي بي إس عند سماعها خبر استشهاد الزعيم الراحل معمر القذافي.

لكن رفع راية النصر، كما كتب سكوت شين وجو بيكر في صحيفة نيويورك تايمز، كانت سابقة لأوانها. بعدما هبطت ليبيا إلى حالة من الفوضى، ما أدى إلى حرب أهلية تزعزع استقرار المنطقة، وتؤجج أزمة اللاجئين في أوروبا وتسمح لتنظيم الدولة الإسلامية “داعش” بإنشاء ملاذ ليبي، وتحاول الولايات المتحدة الامريكية بشكل يائس الاحتواء.

ويُزعم بعض المسؤولين، أن تدخل الولايات المتحدة والناتو، كان بدوافع إنسانية، بعد تقارير عن فظائع جماعية في عهد القذافي؛ لكن منظمات حقوق الإنسان شككت في الادعاءات بعد أن وجدت نقصا في الأدلة، لكن في السنوات التي تلت ذلك، وقعت فظائع وجرائم يمكن التحقق منها.

وكما كتب دان كوفاليك في هافينغتون بوست، فإن حالة حقوق الإنسان في ليبيا كارثة، حيث” يقبع آلاف المعتقلين “بمن فيهم الأطفال” في السجون دون مراجعة قضائية، كما عمليات الخطف والقتل متفشية.

والحاصل إنه قبل عام 2011، كانت ليبيا قد حققت استقلالها الاقتصادي بمياهها وطعامها ونفطها وأموالها ومصرفها المملوك للدولة. لقد قفزت ليبيا في عهد القذافي من واحدة من أفقر البلدان إلى أغنى البلدان في أفريقيا.

فالتعليم والعلاج يقدم بشكل مجاني؛ كما كان الحصول على منزل يعتبر حقًا من حقوق الإنسان؛ وشارك الليبيون في نظام أصلي للديمقراطية المحلية، كما كانت البلاد تفتخر بأكبر نظام ري في العالم، مشروع النهر الصناعي العظيم، الذي جلب المياه من الصحراء إلى المدن والمناطق الساحلية ؛ وكان القذافي يشرع في برنامج لنشر هذا النموذج في جميع أنحاء أفريقيا.

ولكن هذا كله، كان قبل أن تقصف القوات الأمريكية والناتو شبكة الري وتسبب الفوضى في البلاد. خلال ولاية الرئيس الأمريكي السابق أوباما.

كانت لغة انتصار، وزيرة الخارجية، هيلاري كلينتون، سابقة لأوانها بالفعل إذا كان ما نتحدث عنه هو الهدف المعلن رسميًا للتدخل الإنساني. فرسائل البريد الإلكتروني، كشفت عن أجندة أخرى وراء الحرب الليبية. وهذا على ما يبدو، تم تحقيقه.

تمت المهمة؟

من بين 3000 رسالة بريد إلكتروني تم إصدارها من خادم البريد الإلكتروني الخاص بهيلاري كلينتون، في أواخر ديسمبر 2015، كان ثلثها تقريبًا من صديقها المقرب سيدني بلومنتال. وفي إحدى رسائل البريد الإلكتروني هذه، وبتاريخ 2 أبريل 2011: تقول الرسالة:-

“تمتلك حكومة القذافي 143 طنا من الذهب، وكمية مماثلة من الفضة .. كان هذا الذهب متراكم قبل التمرد الحالي وكان من المفترض استخدامه لتأسيس عملة أفريقية، تعتمد على الدينار الذهبي الليبي. مصمم لتزويد البلدان الأفريقية الناطقة بالفرنسية بديلاً عن الفرنك الفرنسي”.

وبحسب المطلعين ، فإن هذه الكمية من الذهب والفضة تقدر بأكثر من 7 مليارات دولار، وقد اكتشف ضباط المخابرات الفرنسية هذه الخطة بعد فترة وجيزة من بدء التمرد الحالي، وكان هذا أحد العوامل التي أثرت في قرار الرئيس ساركوزي بـ الهجوم على ليبيا، ووفقًا لهؤلاء الأفراد، فإن خطط ساركوزي في ليبيا كانت مدفوعة بالمسائل التالية:

1 – الرغبة في الحصول على نصيب أكبر من إنتاج النفط الليبي.
2. زيادة النفوذ الفرنسي في شمال إفريقيا.
3 – تحسين وضعه السياسي الداخلي في فرنسا.
4 – إتاحة الفرصة للجيش الفرنسي لإعادة تأكيد مكانته في العالم.
5. معالجة مخاوف مستشاريه بشأن خطط القذافي طويلة المدى لتحل محل فرنسا كقوة مهيمنة في إفريقيا الفرنكوفونية.

ومن الواضح أن الغائب، هو أي ذكر للمخاوف الإنسانية، فالأهداف هي المال والسلطة والنفط. وقد تم تفجير فضائح أخرى، من قبل الصحفي الاستقصائي روبرت باري. وتضمنت اعترافات بارتكاب جرائم حرب من قبل المتمردين، واعترافات بمدربي العمليات الخاصة داخل ليبيا منذ بداية الاحتجاجات تقريبًا، والقاعدة المنخرطة في المعارضة المدعومة من الولايات المتحدة الأمريكية

إسقاط النظام المالي العالمي

محاولة القذافي “المهددة، لتأسيس عملة أفريقية مستقلة لم تؤخذ على محمل الجد من قبل المصالح الغربية في عام 2011، وقد ورد أنذاك أن ساركوزي وصف الزعيم الليبي الراحل معمر القذافي، بأنه تهديد للأمن المالي للعالم.. لكن كيف يمكن لهذا البلد الصغير الذي يبلغ عدد سكانه ستة ملايين نسمة أن يشكل مثل هذا التهديد؟

ويشير الين بروان في مقاله الى بعض الحقائق:-

أولاً ، إنه من بين المعلومات الأساسية: أن البنوك وليس الحكومات، هي التي تخلق معظم الأموال في الاقتصادات الغربية. وقد استمر هذا لعدة قرون، من خلال عملية تسمى الإقراض “الاحتياطي الجزئي”.

وفي الأصل، كانت الاحتياطيات من الذهب، لكن في عام 1933، استبدل الرئيس الأمريكي فرانكلين روزفلت الذهب محليًا باحتياطيات أنشأها البنك المركزي، لكن الذهب ظل العملة الاحتياطية على المستوى الدولي.

وفي عام 1944، تم إنشاء صندوق النقد الدولي والبنك الدولي في بريتون وودز، نيو هامبشاير، ولتوحيد هذا النظام المالي الذي أنشأه البنك على مستوى العالم، ورد في حكم صادر عن صندوق النقد الدولي أنه لا يمكن أن تحظى النقود الورقية بدعم الذهب.

وكان هذا يعني على نحو فعال أن المعروض النقدي تم إنشاؤه، بشكل خاص كدين بسعر الفائدة. ويتطلب هذا النظام استمرار توريد المدينين؛ وعلى مدى نصف القرن التالي، انتهى الأمر بمعظم البلدان النامية في الديون لصندوق النقد الدولي. وجاءت القروض مصحوبة بشروط، بما في ذلك سياسات “التكيف الهيكلي” التي تنطوي على إجراءات تقشفية وخصخصة الأصول العامة.

وبعد عام 1944، تم تداول الدولار الأمريكي بالتبادل مع الذهب كعملة احتياطية عالمية، وعندما لم تعد الولايات المتحدة قادرة على الحفاظ على دعم الذهب للدولار، فقد ابرمت في السبعينيات صفقة مع أوبك من أجل “دعم” الدولار بالنفط ، وخلق “الدولار البترولي”.

سيتم بيع النفط بالدولار الأمريكي فقط ، والذي سيتم إيداعه في وول ستريت والبنوك الدولية الأخرى. وفي عام 2001، ولانه لم يكن راضيا عن انخفاض قيمة الدولارات التي كانت منظمة أوبك تحصل عليها مقابل نفطها، قام العراق، قام العراق في عهد الزعيم الراحل صدام حسين، بخرق الاتفاقية وباع النفط باليورو.

وسرعان ما تبع ذلك تغيير النظام العراقي، مصحوبًا بتدمير واسع النطاق للبلاد. ولم يكن التدخل العنيف يتعلق بالأساس بأمن الناس، بل كان الأمر يتعلق بالمال والنفط وأمن البنوك العالمية.

وفي ليبيا ، انتهك القذافي الاتفاق. لكنه فعل أكثر من مجرد بيع نفطه بعملة أخرى، كما تم تفصيل هذه التطورات من قبل المدون دينيس راين:

فـ “لعقود من الزمان، كانت ليبيا ودول أفريقية أخرى تحاول إنشاء معيار ذهبي لعموم إفريقيا” “عملة صعبة “لعموم إفريقيا. وهنا وضع القذافي في ليبيا ومول خطة لتوحيد الدول الأفريقية ذات السيادة بعملة ذهبية واحدة (الولايات المتحدة الأفريقية). وفي عام 2004، أنشأ برلمان لعموم إفريقيا (53 دولة) وخططً للمجموعة الاقتصادية الأفريقية – بعملة ذهبية واحدة، تكون جاهزة تمامًا بحلول عام 2023.

ما كان ممكناً لأفريقيا

لقد فعل القذافي أكثر من مجرد تنظيم انقلاب نقدي أفريقي. لقد أثبت أنه يمكن تحقيق الاستقلال المالي. كانت أعظم مشاريعه للبنية التحتية، النهر الصناعي العظيم، وهو تحويل المناطق القاحلة إلى سلة خبز لليبيا.

وكان المشروع الذي تبلغ قيمته 33 مليار دولار يتم تمويله بدون فوائد وبدون دين خارجي، من خلال البنك الليبي المملوك للدولة.

وقد يفسر هذا سبب تدمير هذه “القطعة المهمة” من البنية التحتية في عام 2011. فلم يقصف الناتو خط الأنابيب فحسب، بل أنهى المشروع بقصف المصنع الذي ينتج الأنابيب اللازمة لإصلاحه.

ولا يبدو تعطيل نظام الري المدني الذي يخدم ما يصل إلى 70٪ من السكان تدخلاً إنسانيًا. كما قال البروفيسور الكندي ماكسيميليان فورتي في كتابه، “التراخي نحو سرت: حرب الناتو على ليبيا وإفريقيا.

ويواصل الين بروان، كان الهدف من التدخل العسكري الأمريكي هو تعطيل النمط الناشئ للاستقلال، وشبكة التعاون داخل إفريقيا التي من شأنها تسهيل زيادة الاعتماد على الذات الأفريقي.

وهذا يتعارض مع الطموحات الاقتصادية الجيوستراتيجية والسياسية للقوى الأوروبية خارج القارة، وبالتحديد الولايات المتحدة.”

حل اللغز

وتكشف رسائل البريد الإلكتروني لهيلاري كلينتون، الضوء على لغز آخر لاحظه المعلقون الأوائل.. وهو السر وراء إنشاء المتمردين بنكًا مركزيًا خاصًا بهم في غضون أسابيع من بدء القتال؟ في ذلك الوقت، كتب روبرت وينزل في مجلة السياسة الاقتصادية في عام 2011: هذا يشير إلى أن لدينا أكثر من مجرد مجموعة من المتمردين، الذين يركضون في المنطقة الشرقية، وأن هناك بعض التأثيرات المعقدة للغاية، مضيفا: لم أسمع من قبل عن إنشاء بنك مركزي في غضون أسابيع فقط من انتفاضة شعبية كما تم الزعم!!
هنا سيبقى الأمر – مشبوهًا ولكن لم يتم التحقق منه بعد، ومرة ثانية لم يكن التدخل العنيف متعلقًا بشكل أساسي بأمن الناس.

كان الأمر يتعلق بالمال والنفط وأمن البنوك العالمية.
=============

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى