مقالات وآراء

مقال للكاتب الأمريكي «جيسون باك» بعنوان: بعد عشر سنوات من وفاة القذافي.. ليبيا نذير الاضطراب العالمي المستمر في المستقبل

بقلم جيسون باك:

قبل عشر سنوات، ابتهج بعض السياسيين الدوليين بإسقاط الدولة الليبية في عام 2011 ويعتقد البعض خطأً أنهم سوف يفرحون مرة أخرى قريبًا، بعد الانتخابات المقرر إجراؤها بوساطة الأمم المتحدة في 24 ديسمبر، لكن هناك العديد من الأسباب للتشكيك في مثل هذا التفاؤل.

وتشير التطورات في كل من النظام الدولي وفي ليبيا على مدى العقد الماضي، إلى أن القوى التي تروج للفوضى والمنافسة القومية قد تتفوق على تلك التي تعزز النظام والتنسيق الدولي.

لقد تغير الكثير في 10 سنوات – وحتى أكثر على مدى السنوات السبعين الماضية، تم إنشاء الدولة الليبية من قبل الأمم المتحدة من الممتلكات الاستعمارية الإيطالية السابقة في 24 ديسمبر 1951، وكانت تتويجًا لعملية نسق بواسطتها القادة الأنجلو-أمريكيون حلاً وسطًا حصل تدريجياً على تأييد القوى المتنافسة.

حتى الاتحاد السوفيتي ومصر وفرنسا والأنظمة السياسية الإفريقية الناشئة وإيطاليا – وجميعهم كان لديهم في البداية طموحات مختلفة بالنسبة للمقاطعات الليبية الثلاث آنذاك – احتضنوا ليبيا، ما ساعد الدولة المنشأة حديثا على الانطلاق إلى بداية جديدة.

حسبت كل هذه الجهات الفاعلة أنها ستكسب من نجاح ليبيا، وخلال الحرب الباردة، سعت القوى المتنافسة إلى مد نفوذها إلى مناطق جديدة، لكنهم لم يسعوا إلى إحداث الفوضى عمدًا في النظام العالمي.

أما اليوم، فالوضع مختلف تمامًا، فحتى لو نجحت ليبيا المعاصرة في إجراء انتخابات حرة ونزيهة في غضون شهرين، فمن المحتمل أن تخلق مزيدًا من الارتباك في المشهد، وحتى الداعمون للانتخابات، لا يزعمون أنهم سينتجون حكومة ليبية غير متنازع عليها وذات سيادة وشرعية دستوريًا.

كانت محاولات الولايات المتحدة والمملكة المتحدة لإقناع الجهات الفاعلة المتمردة (روسيا وتركيا ودول الخليج المختلفة) لتنسيق تدخلاتها المزعزعة للاستقرار سابقًا في ليبيا فاترة، وكلها اتبعت معها سياسة الجزرة دون عصا، كما تفتقر عملية وساطة الأمم المتحدة أيضًا، إلى القدرة على معاقبة المفسدين، وعلى هذا النحو تم اختطاف ليبيا، من قبل لاعبين يتمتعون بالسلطة القائمة على الوضع الراهن، مثل رئيس مجلس النواب عقيلة صالح والعائلات الممتدة لرئيس الوزراء المؤقت عبد الحميد الدبيبة، وخليفة حفتر ، وكثير منهم مدينون بالفضل للإمارات العربية المتحدة وروسيا وفرنسا، بالمضي قدمًا في هذه الرحلة أو التواجد في مثل هذا الوضع.

وبشكل مأساوي، لا يزال جميع اللاعبين الرئيسيين مستعدين للاستفادة من ليبيا القادرة على إنفاق مليارات الدولارات على تحديث خطوط الأنابيب، وتوظيف المهاجرين، ومراقبة حدودها، والدفع للدائنين الدوليين، وتوفير مستوى معيشي أفضل لليبيين، لكن مع ذلك، لا يزال فشل التنسيق الدولي يؤدي إلى نتائج أقل من السياسات المثلى المأمولة في البلاد.

قبل عشر سنوات، تم اسقاط الدولة الليبية، من قبل تحالف دولي جيد التنسيق من كل من الدول العربية وحلف شمال الأطلسي، لقد كان مثالًا على العدوان الجماعي المربح للجانبين، حيث عملت العديد من الجهات الفاعلة معًا وقدموا تنازلات طفيفة بشأن أهدافهم الخاصة في محاولة لتحقيق نتيجة مشتركة مفيدة للطرفين.

أنداك ساد شعور بأمل لا حدود له في مستقبل ليبي وعالمي أفضل للعام المقبل، أو نحو ذلك مع انتعاش إنتاج النفط، وتم تحديد موعد انتخابات حرة ونزيهة وإجرائها، واستئناف بعض مشاريع البنية التحتية المتوقفة.

ولكن مع قدوم عام 2012 إلى عام 2013، ظهرت قوى الفوضى، ووقفت الدول الغربية على الهامش حيث انقسمت البلاد إلى سلطتين متنافستين، تم تهريب الأسلحة والجهاديين إلى البلاد، وعانت الجماعات التي فقدت السلطة من الانتقام العنيف، وبدلاً من تكاتف كل تلك الدول التي كانت ستستفيد من النمو الاقتصادي الليبي الهائل المحتمل معًا لحماية شحنتهم الجماعية، فقد تنازعوا حول من سيستفيد أكثر من (الكعكة)!!

ويمكن إرجاع العديد من هذه الديناميكيات، إلى نهاية الهيمنة الأمريكية العالمية وصعود الجهات الشعبوية الجديدة التي ترى عالماً مضطرباً، ينتج هجرة جماعية وحروب تجارية ومنافسة اقتصادية تجارية وإرهاب كأفضلية لفرصها الانتخابية. واختارت العديد من الجهات الفاعلة الرئيسية تعزيز الفوضى بدلاً من تقديم تنازلات صغيرة من أجل الصالح العام في البلاد.

وعلى الرغم من أنهم عملوا معًا لفرض منطقة حظر الطيران التابعة لحلف الناتو فور سقوط الدولة، إلا أن اللاعبين الغربيين الرئيسيين كانوا يجرون في اتجاهات مختلفة- متشككين في دوافع بعضهم البعض وعملائهم وأفعالهم في ليبيا-

وبطبيعة الحال، يجذب فراغ السلطة الجهات الخارجية، وبالخصوص إذا كانت الدولة غنية بالموارد وموقعها الجغرافي الاستراتيجي. وفي ليبيا يوجد الاثنين، وعليه سرعان ما أصبح الأتراك والقطريون والإماراتيون والمصريون والروس راسخين بعمق واحتلال، مناطق كانت تسيطر عليها الدول الغربية في السابق.

وفي الوقت الذي لم يكن فيه متصورًا من قبل، أنه في حالة اندلاع حرب أهلية، فإن الدول الأوروبية الأساسية في الناتو مثل إيطاليا وفرنسا ستدعم الأطراف المتعارضة، فإن هذا وللأسف ما حدث بالضبط في العصر الحالي في ليبيا.

في عالم اليوم، فإن أعضاء الناتو، كانوا على استعداد لتقويض تصرفات حلفائهم دون التشاور معهم، وأدى هذا إلى مزيد من تآكل الثقة وعزز الفشل داخل ليبيا.

كانت الآثار المتصاعدة لفقدان الثقة بين الحلفاء الغربيين الأساسيين واضحة بالفعل على الفور في أعقاب سقوط الدولة.

في عام 2011، وعبر سيدني بلومنتال، المستشار السياسي الذي عمل مع وزيرة الخارجية الامريكية السابقة، هيلاري كلينتون، تم الكشف عبر رسائل البريد الإلكتروني، أن البريطانيين والفرنسيين، كانوا يحاولون تقويض أهداف الولايات المتحدة في ليبيا لتعزيز مصالحهم التجارية؟! ونتيجة لذلك، صرفت الولايات المتحدة فيما بعد النظر عن التنسيق معهم، وكانت هذ كارثة.

ومع الخلاف بين الجهات الفاعلة الدولية، وانزلاق ليبيا إلى الفوضى، اتخذت الدول الغربية المثل البدوي القديم: “أنا ضد أخي وأخي وأنا ضد ابن عمي وأخي وابن عمي وأنا ضد الغريب”.

ومن المفارقات اليوم، أن هذا المثل الشهير أصبح ينطبق على الجهود الغربية غير الفعالة في تنسيق السياسة الخارجية، كما أنه يلخص القبلية السياسية لما بعد عام 2016 لعجز العديد من المجتمعات والفصائل الغربية عن تنحية الخلافات جانباً للتركيز على المصالح المشتركة.

على الرغم من أن الأحداث في ليبيا كانت تبدو هامشية، إلا أنها ساهمت في انتخاب دونالد ترامب وخروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي عام 2016.
فقد كانت وفاة السفير الامريكي السابق، كريستوفر ستيفنز في بنغازي، والخوف من المهاجرين الذين سيعبرون البحر الأبيض المتوسط، من القضايا الداعمة التي أدت لانتخاب ترامب وخروج بريطانيا في بعد من الاتحاد الأوروبي.

علاوة على ذلك، أدى فراغ القوة الليبية إلى تصعيد الخلافات بين القوى المتنافسة في المنطقة: قطر/ الإمارات، وفرنسا/ إيطاليا، وتركيا / مصر، وروسيا / الولايات المتحدة، ما أدى بدوره إلى مزيد من الفوضى في ليبيا والعالم.

ومن المفارقات أن كل هذه الجهات المتناحرة (والشعب الليبي) كانت ستستفيد، لو حدث إجماع في ليبيا، لكن طبيعة النظام العالمي الحالي جعلت بناء التحالفات الضرورية والتسويات أمرًا مستبعدًا.

وبعد مرور عشر سنوات على وفاة القذافي، تفتقر ليبيا إلى دستور، ودولة قوية ومؤسسات اقتصادية قادرة، إنها غارقة في التفتت والصراع: الميليشيات، والقبائل، والمتنافسون على السلطة والمؤسسات الاقتصادية شبه السيادية، والمرتزقة الأجانب.

ولحل هذه الفوضى في ليبيا، هناك حاجة أكثر من أي وقت مضى للحوكمة العالمي – ومن المفارقات أن الحوكمة العالمية أقل فاعلية من أي وقت مضى في التاريخ الحديث.

ومع ذلك، تُظهر ليبيا أيضًا أن مؤسسات الحوكمة العالمية المكلفة بتنسيق استجابة المجتمع الدولي للأزمة، مثل الأمم المتحدة، يتم اختراقها حاليًا بشكل كامل من قبل تلك الدول المشجعة حديثًا التي ترغب في الفوضى (مثل روسيا والصين) بحيث تكون غير فعالة تمامًا تقريبًا.

وبدلاً من أن تسعى القوى الكبرى والإقليمية اليوم إلى فرض نظامها على ساحات الفوضى داخل الموقع الاستراتيجي، فهناك حرية للجميع بين مجموعة واسعة من الجهات الفاعلة التي لا تسعى بالضرورة إلى تعزيز النظام، سواء من القوى الاستعمارية القديمة إلى القوى الإقليمية الصاعدة إلى الجهات الفاعلة عبر الوطنية من غير الدول مثل الشركات متعددة الجنسيات أو الدولة الإسلامية.

اليوم، لا ترغب القوى الكبرى في استثمار رأس مال سياسي كافٍ لتحقيق الاستقرار – في ليبيا أو على مستوى العالم – على المدى القصير أو المتوسط.

إن القوة الأسرع صعودًا في العالم، الصين، غائبة إلى حد كبير في النقاط الساخنة الجيوسياسية، في هذا النظام العالمي الجديد، بدلاً من استخدام قوتهم لتعزيز النظام، عمد قادة الشعبوية الجديدة من الرئيس الروسي فلاديمير بوتين إلى الرئيس التركي رجب طيب أردوغان إلى تعمد الفوضى.

وكانت ليبيا المسرح الأول الذي ظهرت فيه السمات الرئيسية لعصر العلاقات الدولية الجديد هذا، ثم جاءت سوريا وأوكرانيا في أعقابها، لقد بدأ عصر جديد من الفوضى العالمية ومن المرجح أن يستمر.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى