مقالات وآراء

د .ابوالقاسم الربو: في استبعاد ليبيا من مؤشر دافوس لجودة التعليم

يعتبر التعليم الطريق المهم الذي تسلكه كافة الدول التي تسعى لتحقيق التقدم والازدهار في كل المجالات، وهو المؤشر الذي يعكس مدى التقدم الثقافي والاجتماعي في الدول، فالفارق الرئيسي بين الشعوب المتقدمة وغيرها من الشعوب هو نسبة وجودة التعليم الذي تتّبعه هذه الدول، والرقي والتقدم التقني والاقتصادي ما هو إلا نتيجة مباشرة من اصلاح العملية التعليمية. ولهذا أصبحت معظم الدول تولي اهتماما كبيراً بالتعليم وتخصص له ميزانيات خاصة، وتسعى من خلال ذلك الى الحصول على ترتيب متميز .

المنتدى الاقتصادي العالمي في دافوس أحد اهم المنظمات التي تقوم سنويا بإصدار ترتيب عالمي للدول حسب تطور جودة التعليم لديها، حيث يعتمد هذا المؤشر على 12 معيار.

وهي منظمة غير حكومية لا تهدف للربح، مقرها جنيف بسويسرا، للندوة الوزارية العربية التي عقدت العام 2010 حول جودة التعليم، وإعلان الدوحة “من أجل تعليم جيد للجميع”، الدور في انشاء البرنامج العربي لتحسين الجودة (ARAIEQ) بالتعاون بين البنك الدولي ووزراء التربية والتعليم العرب.

هذا البرنامج، الذي بدأ في عام 2012 برعاية المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم (ألكسو)، لتحسين نوعية وواقعية الخدمات التعليمية في المنطقة من خلال تعاون إقليمي، فضلاً عن عمله كمركز أبحاث، وشبكة من الخبراء، ومورداً للأدوات والمعرفة اللازمة لصناع القرار.

وبنظرة شاملة على تقرير مؤشر جودة التعليم العالمي الصادر عن المنتدى الاقتصادي العالمي في دافوس , والذي شمل 140 دولة من العالم،, نجد انه استبعدت 6 دول عربية لافتقارها ابسط معايير الجودة في التعليم، وهي العراق وسوريا واليمن وليبيا والسودان والصومال. “دول الربيع العربي ”

وقد كانت جودة التعليم في ليبيا هي موضوع بحث الدكتوراة الذي اجريته منذ عشر سنوات، وفي وقتها ، فليبيا لم تكن ليبيا في مؤخرة التقييم ولكن ان تستبعد ليبيا اليوم من التقييم لافتقار نظام التعليم لأبسط اساسيات الجودة فذلك مؤلم، ويعتبر التعليم في ليبيا حديث نسبيا مقارنة ببعض الدول العربية، وقد شهد العديد من المحطات المهمة في تاريخه، والتي يجب الوقوف عندها، حتى يتم معرفة الأسباب التي أدت الى هذه النتيجة.

أول مدرسة ثانوية تم افتتاحها في مدينة طرابلس سنة 1947، وسنة 1948 تم افتتاح معهد لإعداد المعلمين بطرابلس، وفي العام الدراسي50/1951 تم افتتاح معهد لإعداد المعلمين ببنغازي ومعهد لإعداد المعلمات بطرابلس.

كما تم افتتاح أول جامعة ليبية في سنة 1955 وحملت اسم الجامعة الليبية وكان مقرها بنغازي، حيث بدأت بكلية واحدة وهي كلية الآداب والتربية، لقد كانت نسبة الامية عالية جدا خاصة بين النساء واستمرت ليبيا في مؤخرة الدول من حيث مستوى تلقي التعليم وظلت الكثير من من التخصصات العليمة غير متوفرة في الجامعة الليبية، وهو الأمر الذي كان له مردوده السلبي على عملية التنمية الشاملة بشكل عام وفي مجال التعليم بشكل خاص، وهذا ادى الى اعتماده على الأجانب في تسييره والتدريس ليس في الجامعات فقط بل وفي التعليم المتوسط والابتدائي أيضا، حيث كان من المفترض أن تساهم مخرجات التعليم المتوسط والعالي في تطوير ودعم قطاع التعليم.

واستمر وضع التعليم على هذا المنوال الى العام 1969 والذي شهد سقوط الملكية، وبداية مرحلة قيادة العقيد القذافي، التي جعلت قطاعي التعليم والصحة على راس أولوياتها، ووضعت خطط تنموية انعكست إيجابيا على وضع التعليم بصفة خاصة، حيث قدر تقرير التنمية البشرية لبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي لعام 2001 أن معدل محو أمية الكبار ارتفعت إلى نحو 80.8 %، أو 91.3% للذكور و69.3% للإناث.

وفقا إلى تقديرات حكومة الولايات المتحدة 2004، فان 82 % من مجموع السكان البالغين ( سن 15 فما فوق) قادرين على القراءة والكتابة.

ووفقا لتقرير منظمة اليونسكو عن التعليم للجميع الصادر عام 2000، بينت دراسة الحالة الخاصة بليبيا أن ميزانية التعليم بلغت 640 مليون دينار سنة 1993.

وفي العام 2007 أجرى البنك الدولي دراسة حول دول العالم من حيث نصيب التعليم من اجمالي الناتج المحلي لكل دولة، وبينت الدراسة أن الحصة المخصصة للتعليم من إجمالي الناتج المحلي في ليبيا من أعلى الحصص في العالم إذ بلغت %7. وبحساب نصيب نفقات التعليم من نفقات تشغيل القطاع العام يتضح أنها كانت تمثل %27 وهي نسبة عالية بالقياس الى المعايير الدولية.

توالى بعد ذلك افتتاح الجامعات الجديدة، حتى وصل عددها عام 2001 اثنين وعشرين جامعة، وقد صاحب هذه الزيادات المتوالية ازدياداً في عدد الطلبة، علاوة على برنامج الدارسات العليا بالخارج حيث أوفدت الدولة على نفقتها ألاف الطلبة لنيل الدرجات العلمية العليا في أهم الجامعات العالمية في مختلف دول العالم، الى الدرجة التي أصبح لا تكاد تخلو جامعة من جامعات العالم الغربي من الطلاب الليبيين الذين يدرسون على حساب الدولة الليبية.

وعقب أحداث2011 رأى حكام ليبيا الجدد إنه يجب تغيير بعض المناهج التي ترتبط بالنظام السابق حسب رأيهم، فطال التغيير مناهج التربية الوطنية والتاريخ وبعض المناهج الأخرى، وبقي القطاع على ما هو عليه، بل وتوقفت الكثير من الخطط التي كانت مبرمجة للتطوير ولتطبيق النظم التعليمية الجديدة.

أما أكثر القطاعات التي تضررت، خاصة بعد الحرب التي شنها حفتر على العاصمة، والتي أدت إلى إندلاع واستمرار الصراعات المسلحة بين الأطراف السياسية المختلفة في البلاد، عندما تعرضت أعداد كبيرة من المدارس والمعاهد والكليات لأضرار مباشرة لوجودها في مواقع الصراعات المسلحة، وقد تم استخدامها من قبل بعض التشكيلات المسلحة كمواقع ومعسكرات لإيواء المقاتلين وتخزين الأسلحة والذخائر، وتحولت بعضها الى معتقلات وسجون، بدلا من العكس.

كما أن العديد من الأسر النازحة والتي فقدت منازلها من جراء الاشتباكات المسلحة، استخدمت هذه المدارس كمكان للإيواء، بعد ان عجزت الحكومة عن توفير البديل لهؤلاء النازحين، الأمر الذي أدى الى تعطل الدراسة في كثيرا من المناطق لوقتا قد يقصر وقد يطول حسب رغبة الأطراف المتصارعة، حيث قدّرت منظمة اليونيسيف عدد التلاميذ في المدارس الليبية بحوالي 1،2 مليون تلميذ، يتغيب منهم حوالي 279 ألفا عن الدروس.

هذا ومن الجدير بالذكر، أن باقي المدارس والتي لم تتحول إلى أماكن إيواء تعاني هي أيضا من غياب الصيانة الدورية، وتوريد الأدوات والكتب المدرسية التي تتأخر ويتأخر معها بداية العام الدراسي، كما تعاني المدارس من تعرضها للتهديدات الأمنية، وانقطاع التيار الكهربائي لساعات طويلة، إضافة إلى انقطاع الاتصالات والانترنت، وغيرها من الخدمات، الامر الذي أدى الى انتشار المدارس الخاصة في كل ارجاء البلاد، والتي تعاني اغلبها من تدني مستوى جودة التحصيل.

وبالنظر للوضع الراهن في ليبيا فإن قطاع التعليم يعد بمثابة الضحية الأكبر لما تعانيه البلاد من انفلات أمني وتدن في مستوى الخدمات، وهذا ما يعني أن المشاكل تزداد تفاقما والحلول تزداد صعوبة باعتبار التعليم هو القاطرة التي عن طريقها يمكن قيادة أي بلد من وضع إلى آخر، ولهذه الأسباب فاستبعاد ليبيا من التقييم باعتبارها أحد الدول التي تفتقر الى ابسط معايير الجودة أمرا غير مستغرب، وليس به أي تجني أو “مؤامرة” بل إنه يعكس فعليا واقع التعليم في ليبيا والذي ينتظر دولة موحدة قوية تقوم بواجبها في توفير جودة تعليم ترتقي الى ان لا تستبعد من التقييم على أقل تقدير.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى