كتاب اليوم

«رواية ما بعد الحداثة» لعزت عمر.. وثالوث التجريب والتناص والتجاور

جاءت ما بعد الحداثة كنوع من رد الفعل على الحداثة، تلك التي كانت تدعي الكمال في كل شيء، وهو ما جعل الأجيال الجديدة من الفلاسفة والمفكرين والمعماريين والأدباء والفنانين يوجهون انتقادهم إلى هذا اليقين بالكمال، ومن ثم أخذت كتاباتهم تؤسس للخروج عليه. ولم يكن إيهاب حسن الذي أصبح في سبعينيات وثمانينيات القرن الماضي أهم منظري ما بعد الحداثة أول من تحدث عنها، فقد ورد المصطلح في أدبيات فلاسفة القرن التاسع عشر أمثال هيغل وماركس وهايدغر، وسرعان ما انتشر المصطلح بشكل أكبر في أعقاب الحرب العالمية الأولى والثانية، كنوع من رد الفعل على ما وصلت إليه قيم الحداثة من انهيار، فانتشرت الرغبة في تهشيم هذا النموذج القائم على الثنائية الواضحة بين الخير الشر، وراح رواد ما بعد الحداثة يبحثون عن التعدد والتجاور والتباين، ومن ثم راجت التفكيكية والبنيوية الجديدة.
وأصبح لما بعد الحداثة منظروها الذين سعوا إلى إبراز قيمها في الفنون والفكر والأدب، وكان إيهاب حسن أبرز هؤلاء المنظرين الذين تركوا إرثًا كبيرًا في البحث عن معالم ما بعد الحداثة ورصدها، وعلى نهجه سعى الكاتب والناقد السوري المقيم في دولة الإمارات العربية عزت عمر إلى تلمس معالم وتقنيات ما بعد الحداثة في كتابه «رواية ما بعد الحداثة: التناص، التجاور، التجريب» الصادر عن دار «الغد» في الإمارات.
تمثيلًا للمشهد الروائي العربي
في هذا الكتاب تعرض عزت عمر بالنقد لنحو ثلاثين عملًا روائيًّا، أعمال متباينة ومتنوعة وتصلح أن تكون تمثيلًا جيدًا لمجمل المشهد الروائي العربي الراهن، فيما عدا ثلاثة أعمال خصص لها الفصل الثاني تحت عنوان: «ريادة مبكرة لرواية ما بعد الحداثة»، وهي رواية «شتاء البحر اليابس» للسوري وليد إخلاصي، و«ذات» للمصري صنع الله إبراهيم، و«مالك الحزين» للمصري أيضًا إبراهيم أصلان.
وعلى الرغم من أن الروائيين الثلاثة ينتمون إلى جيل الستينيات، ومن مواليد عقد الثلاثينيات، فإن الأعمال الثلاثة صدرت في عقود مختلفة. وفي الوقت الذي اعتمدت فيه رواية إخلاصي، بحسب المؤلف، على توظيف تقنيات جديدة في شكل من أشكال المغامرة السردية التي خلت من التسلسل الزمني المعتاد، ومن الحدث المتصاعد، وهو ما أهلها لأن تكون أول عمل عربي رائد في كتابة ما بعد الحداثة، فإنه يرى أن رواية «ذات»: «يمكن اعتبارها نموذجًا فائضًا بالتجريب في تقنياته واجتراحاته الفنية، التجريب النابع من رغبته في مفارقة نمط الكتابة الكلاسيكية نحو شكل من الكتابة جمع ما بين الإبداعي السردي والوثيقة المستقاة من الصحافة اليومية».
لكننا لا نعرف الأسباب التي اختار على أساسها رواية «مالك الحزين» كي تكون ضمن رواد الرواية في كتابة ما بعد الحداثة… حمل الفصل الثالث من كتاب عزت عمر، عنوان «ما بعد الحداثة كنظام تفكير» وهو الفصل الأكبر أو العمود الأساس في الكتاب كله، فمن قبله كانت مقدمة بسيطة عما بعد الحداثة التي سادت في العقود الأخيرة، وعن الرواية العربية التي بدأت من منتصف القرن التاسع عشر وتطورت إلى وقتنا الراهن. وتلى ذلك فصل الرواية، ثم جاء الفصل الأساس الذي من المفترض أن يقدم فيه الناقد طرحه عن الرواية العربية، وكيف أصبحت ما بعد الحداثة هي نموذج التفكير الأساس الذي تقوم عليه، وفي هذا السياق قدم ما يمكن تسميته بمجموعة من القراءات ما بعد الحداثية، لأعمال تسعة عشر كاتبًا، ولا يسمح المقال باستعراض كل القراءات، إنما بعضها.
فالناقد يبدأ هذا الفصل بقراءة عن «التجاور وفاعلية التخييل في رواية البدل» للكاتب السوري خليل الرز، الذي وصفه بأنه أحد رموز الحداثة وما بعدها في المشهد السوري المعاصر، وقدم له أيضًا قراءة في روايته «الحي الروسي» بعنوان: «استعادة لغة وخيال الطفولة الفطرية»، موضحًا أنها تمتعت بأسلوب التداعي العفوي والمصاحبات اللغوية والبصرية، وقدرة السارد على اتباع أسلوب التكرار المعتمد كتقنية خاصة بخليل الرز. ورصد صراع الهوامش في رواية «منتجع الساحرات» للكاتب السوداني أمير تاج السر، قائلًا: إنها تنهض على نمط سردي من الواقعية السحرية «وفق النهج الماركيزي، يمزج الواقعي مع الخيال الفانتازي لتقديم النص في سوية عالية من المفارقات المدهشة التي تحفل بها القارة الإفريقية من ضروب جمالية وحكايات خرافية».
ووصف عمر «قوس الرمل» للكاتبة الإماراتية لولوة المنصوري بأنها واقعية سحرية وبنية ما بعد حداثية، واستعرض مهارات توظيف الرموز في رواية «فهرس» للشاعر والكاتب العراقي سنان أنطوان. أما دراسته عن رواية «حوض الشهوات» للعماني محمد اليحيائي، فقال فيها: «والتجريب سيتجلى واضحًا بالنسبة للناقد والقارئ الحصيف منذ الإطلالة السردية الأولى، فالرواية هنا تحكي ذاتها من خلال ذلك التناغم الصوتي بين السارد والشخصيات، وبين الشخصيات الذين سيتحولون إلى رواة، بمعنى أن تحكي الرواية ذاتها بمعزل عن المؤثرات الأيديولوجية الخاصة بالمؤلف وسارده العليم».
شتات وآلام
وتوقف عند رواية «كلاب المناطق المحررة» للسوري زياد عبدالله، تلك الرواية التي رصد فيها أجواء الحرب الأهلية في سوريا، وما نجم عنها من شتات وآلام للكثيرين. أما رواية «جبل الزمرد» للمصرية منصورة عز الدين، فذكر أنها جاءت على غرار الكثير من الروايات التي سعت للتناص مع حكايات ألف ليلة وليلة، كرواية السوري هاني الراهب «ألف ليلة وليلتان»، ورواية واسيني الأعرج «فاجعة الليلة السابعة بعد الألف»، فضلًا عن رواية غوته «الليلة الثانية بعد الألف» التي تعد أول عمل عالمي تناص مع ألف ليلة وليلة.
وكتب عن رواية السوري إسلام أبو شكير «زجاج مطحون»، قائلًا: إنها تنفتح على إمكانية التأويل لأكثر من وجهة دلالية تبعًا لزاوية القارئ، وهذا مؤشر على إشكاليتها وإمكانيتها في إثارة الأسئلة. أما رواية «ستيمر بوينت» لليمني أحمد زين فقد وصفها بأنها «رواية التفاصيل والإحالات الدلالية»، موضحًا أن بناء الرواية يقوم على شخصيتين هما: «الخادم والمخدوم اللذان يتواجهان للمرة الأولى أمام مرآة بانورامية، كما لو أنهما على خشبة مسرح، ومن زاوية قريبة يتابعهما السارد العليم الذي قام بتقديمها بتسليط الإضاءة على كل منهما للكشف عما يعتمل في الداخل من أفكار وهواجس».
وذكر أن رواية الليبي إبراهيم الكوني «فرسان الأحلام القتيلة»، تقوم على «التناص وبنية الاسترجاع». ووصف عزت عمر رواية «ملك الهند» للبناني «جبور الدويهي» بأنها «سفر في الذات الاجتماعية»، لافتًا إلى أنها تحكي عن مغترب لبناني غادر بلاده في الحرب الأهلية، ثم عاد إليها في أيامنا الحالية لتكتشف جثته بعد أيام من عودته على مبعدة يسيرة من مسقط رأسه، لتبدأ الأحداث وتتسع وتتشابك الخيوط والأفكار والمعارف.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى