ثقافة وأدب

محبوبة خليفة (مشوار )

قورينا

وقَفَتْ على ناصية الزقاق الصغير- حيث تسكن – هذا الزقاق المطلّ على (البياتسا الحمراء) حيث مدرسة البنين ذات البناء الايطالي الجميل تطل ببهاء على الميدان الصغير حيث مرقد (سيدي امحمَّد بَيّ) ساكنُ المدينة الذي يتوسط مقبرة قديمة مسيجة بسياج قصير بحيث يمكنك مشاهدة شواهد القبور لاطيافٍ من البشر مرّوا على هذه الدنيا وعاشوا بين أهلها وينامون هنا بسلام.

في هذه البياتسا لَعِبَتْ وتأملت جلسات الرجال امام دكان سي (علي) يلعبون (السيزا) يرسمون على الارض مربعاتٍ ويوزعون الاحجار الصغيرة المستوية وتراقب صياحهم وضحكاتهم ثم تعرج على صنبور المياه الجميل على هيأة تمثالٍ دقيق النحت يخرج منه الصنبور وبضغطةٍ بسيطة تنساب المياه فيندفع الصبية والبنات يمدّونَ اكفّهم تحتها فتتناثر قطراتها الباردة على وجوههم وملابسهم فينعمون بسعادةٍ طارئة وبريئة وسريعة حيث سيأتي من ينهر من الكبار فيبتعد الجميع عن الصنبور ويعود تمثالاً مُلفتاً لدقة صنعته وجماله.

هذه هي الساحة التي يتفرع منهاالزقاق الصغير حيث تقف الصغيرة تنتظر رفيقتها القادمة من هناك… هاهي تلوح بيدها وتلقي تحية الصباح إسمها (منى) وهي ابنة قاضيٍ معروف، صغيرة الحجم دقيقة الملامح شقراء، بين الصغيرتين ودٌ قديم قدم طفولتهن وصباهن، وقفن متجاوارت ينتظرن الثالثة (مريم) القادمة من (ستّ استينسا)* ابنة عائلة كبيرة العدد يسكنون هناك، ستمرُ الصبية من البياتسا الصغيرة حيث الشجرة الضخمة التي تظلل مساحة كبيرة منها وحيث الخوف من ابنة الطبيعة الوارفة الظلال هذه، وقد افهم شقيق هذه الصديقة الصغيرات بأن أوراق الشجرة هذه تحمل اسماء سكان المدينة وانه في ليلة (الاسراء والمعراج) يهزُّ الله هذه الشجرة فاذا سقطت بعض الأوراق فإن أسماء اصحابهاسيموتون في العام الذي يليه! فكن يسمعن له ويصدقنَهُ ويُصَبنَ برعبٍ إن مررن بها فما بال هذه المسكينة التي تعبرها كل صباح وكل ظهيرة ذاهبة وعائدة إلى ومن مدرستها!

تجمعنَّ وتشابكت ايديهن واخذتهن الطريق الى المدرسة، كانت المسافة بالنسبة لذلك الزمان الجميل طويلة لكنها ممتعة سيسعدهن مناظر المحلات الصغيرة (دكان سي مفتاح) وامامه زحام لتلاميذ يناولهم سندويتشات التونة من اعداده ملفوفة بحرص، وستعرج احداهن على محلات (بن حليم) فتصعد الدرجتين الى المحل وتحيي وتنتظر تجهيز (سندويتشها) وتراقب يده وهي تقطع دائرة الجبن الحمراء اللذيذة فيسحبُ منها بعض القطع ويفتح الخبز الساخن ويضع الجبن ويلفه بورقٍ خاص ويعطيه لها ويوصيها ان تسلّم على والدها فتهز رأسها مؤكدة انها ستفعل – تعود الصغيرات الى الطريق مسرعات الخطا فيعبرن الجسر الذي يقسم المدينة الصغيرة أو الذي يربط ضفتيها فيرفعن ارجلهنّ الصغيره قليلاً عن الأرض ليستمتعن بمنظر الوادي الجاف الذي يمتلأ احياناً في موسم الامطار- ثم يواصلنّ الطريق بخفة فيصلنَّ الى ساحة صغيرة تطل عليها محلاتٍ متنوعة، بعض الترزية المعروفين في المدينة – التي يشتهر شبابها بالأناقة – ومكتبة كبيرة تعلن عن كتبٍ جديدة بواجهتها، ومحلاتٍ لبيع الملابس والساعات وهكذا يتبادلن على عجل المشاهدة على جانبي الساحة ثم يعرجن الى الشارع الكبير (الفنار)… وعندها تُسرع الخطوات ويعلو وجيب القلب ويساوين هندامهن ويقتربن من السور المهيب ثم البوابة الصغيرة المحاذية للمدخل الرئيسي ويلقين التحية على الخالة (مبروكة) فتُشرع لهن الباب ويدخلن مسرعات حيث التزاحم والاصطفاف وموسيقى الصباح ويعلو النشيد فيرددن معه بنشاطٍ وحبور وبعدها تقف على العتبات المواجهه للصفوف (ابلة سالمة) بهتافها اليومي: يعيش جلالة الملك يا يعيش يا، يعيش يا، يعيش يعيش يعيش…

محبوبة خليفة

* ميدان صغير.
* حي صغير بدرنة.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق