ثقافة وأدب

حوض من البصل الأخضر شعر : أسماء عزايزة

أنظري يا قطّتي إلى جمرتي الكابية

كلّما أدرتُ ظهري عفّرها الوقت بأكفّه الكبيرة

وأنا مثلك في هذه العتمة
اتّسعت حدقتي
وكُتم موائي في صدر دُميةٍ قديمة

الحدقةُ التي ذرعها رحّالةٌ قدامى لم يسمعوا يومًا بفكرة الوصول
التي من سككٍ ومدنٍ وصفّارات وذهاب
كانت فضفاضةً مثل مرج فقد أباه الأفق
وأخذ يترامى دون نهاية
ركبتُ صهوات رياحه الشقيّة
لفّقتُ قصصًا بوليسيّةً لحياتي
تقمّصت أربعين بدنًا وخرجت من خمسين
تزوّجت مرّتين
كدتُ أموتُ آلاف المرّات في نومي
لولا أنّ فزّاعة الوحدة خرمتْ هدأة الليل

وشمتُ لوحًا كنعانيًّا على ظهري
ورحت أقنعُ الناس بأنّ عمري ٤ آلاف سنة
شيّدتُ بيوتًا فوق تلال لا أعرفها
سكنت فيها ثمّ سوّيتها بالأرض
ثمّ شيّدت غيرها

رميتُ رجالاً واستملتُ غيرهم
حسبتُ أنّي قُتلتُ لكن ظلّ نفسي يهرب إلى صدري
طردتُ الحبّ بأدبٍ فدخل من الشّباك

ذبحتُ الأطفال الذين تهيّأوا لي كي أنجو من زنازين الأمومة
وكانت الأمومة تتفرّج من بعيد وتنتشي
أخفيتُ بندقيّة أبي على أمل أن تحكمَنا الغزلانُ
لكنّها سُلختْ في مطبخنا
ثمّ صار شعب الله المختار يختار رؤوسنا واحدًا واحدًا
ويجرّنا إلى المسلخ الكبير الذي أسميناه الحريّة

جلدي مرقّطٌ بالندم والبهجة
في كلّ مرّةٍ بدّلته بثوبٍ متجانس مزّقته أظافر السّخرية
ومشيتُ عارية

التقيتُ بشعراء ظننتُ معهم أنّ القيامةَ قامت
وأنّ الله اصطفانا وحدَنا لنعيش
هجرتُ رجالاً جعلتُهم يظنّون أنّهم أوغاد
وأنّهم لا يستحقّون الحبّ إلا ليندبوا حظوظهم عند بوّاباته العالية

وها أنا
بعد كلّ هذا يا قطّتي المرقّطة
أموء بصوتي الأخرس عند بوّابة بيتنا الصغيرة
يفتح لي الماضي الجميل
أمشي في الفناء الخلفيّ وأبحث عن ذيل السّمكة التي أكلتها قبل ثلاثين سنة

ماتت شجرة الرّمان
وعاش ظلّها
حدقتي تتّسع في سواده
أحبو فوق السّور
وأطلّ على حوض من البصل الأخضر
يدُ أمّي تعشّبه
ويدُ أبي مقبورةٌ فيه.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق