ثقافة وأدب

قصة للأديب القاص والروائي الليبي «محمد علي الشويهدي» بعنوان .. «رهن الإقامة الطوعية»

كنت مستلقياً على ظهري عندما أفقتُ، حررت عينيَّ من إظلام جفنيَّ لكنني لم أر شيئاً، الظلام يحُول دون عيني والرؤية ، الليل لم ينته فيما بدا ، صوبت عينىّ نحو النافذة ، لم يبن من خلال شقوق حصيرة النافذة بصيص ضوء ، ليل الربيع الآنى طويل ، لكن قد تكون حصيرة النافذة مُحكمة الإطباق ، لابد أن أتيقن ، أن أنهض بعد أن استوفيت ساعات نومي .

لم أقو على الحركة ، الجسد الذي أسكنه كان شائخاً خائراً لا يلبيِّ أوامري ، ربما مجبراً ؛ فكل تجهيزات الجسد الذي يحتويني استهلكت ، قدُمت ، عطُبت جزئيا أو كليَّا، بادت رغم الإدامة الدورية عند الإطباء .

مددت يدي إلى الطاولة الصغيرة المحاذية أتلمس مكان المصباح ، ضغطت زر مفتاح الإضاءة ، تذكرت أن السلك الواصل عارٍ في جزء منه ، خشيتُ أن أتعرض لصعق كهربائي ، تخلت أصابعي وانتفضت يدي لكن توقى إلى النور سرى في الجسد الذي أسكنه ، دبّت حيوية خجول في أنحائي أو ربما شُبِّه لي ، غادرت فراشي على وهن إلى النافذة ، أدرتُ بكرة الحصيرة بصعوبة ، تسلل نور ضئيل إلى الحجرة لكنه كان كافياً للرؤية ، الساعة كانت السابعة صباحاً ، الشمس تشرق بحُسبان ، لابد أن تكون قد أشرقت لكنّ غيوم الربيع تحجب النور، خطوت نحو المصباح ، أمسكت بالزر بعد أن تبينت عري السلك ، ضغطت زر مفتاح المصباح فما أضاء ، تسللت خارج الحجرة إلى الممر، ضغطت زر مفتاح المصباح المعلق إلى السقف فما أضاء هو الآخر، نبَّهتني الذاكرة إلى مصطلح صار متداولاً منذ الربيع الآفل :

طرح أحمال !!

عييت ، استلقيت على الكنبة ، تمطيت ، خشيت النعاس ،اشتهيت فنجان قهوة لكن الموقد الكهربائي مشمول بطرح الأحمال ،إسطوانة الغاز آلت إلى ذات المآل ، تناولت لفافة ، لم تخذلني القدَّاحة ، ملأت الرئتين بالدخان ، نفثه ، مججته في الأرجاء ، عاودتني الكحة ، كفكفت الدموع ، مسحت الإفرازات ، سحقت اللفافة في المنفضة ، ما كان يجب أن أدخِّن على خواء ، توسدت تكوة الكنبة ، فردت الجسد على إمتداده ، انتويت الاسترخاء لكنني لم أدركه إذ عاينت الجسد، بدا ضيئلا يمكن احتواؤه في قفة إذا إنطوى ، استعرت ألسنة لهب تعتلج في الأعماق، صرختُ في الأنحاء مذعوراً :

ما جَّردنى الزمن ولا سلبني بل أضاف ، بتواليه تراكمت المعرفة والخبرات والتجارب في الأنا، صرت أكبر وأقوى وأقدر .

واجمة والجزع في العينين بادٍ ، صفقتْ كفاَّ بكف ، قالت :

 تُحدثُ نفسك ! ! ما بك يا رجل ؟ ! 

راعني رخيم الكلام حتى كاد يخرسني ، بررت مراوغـاً :

كنت أفكر بصوت مسموع.

أضافت :

لا توجد في البيت كسرة خبز .. قم أحضر الخبز.

تجنبت الكلام ، هززت رأسي موافقــاً.

خذ في يدك كيس القمامة.

هززت رأسي موافقاً مرة أخرى.

عناء القيام والخطو يرهق الجسد ويؤدي إلى الإحساس بالوهن والميل إلى التأنيِّ ، لكن أن تكون ربَّ أسرة ؛ فأنت ملزم بإحتمال العناء ومكابدة التعب ، هكذا إذن ، وبعزيمة مُراوحة نهضت واقفاً أترصدُ تداعيات طقطقة العظام وقد توالت إلا أنني مضيت صوب السيارة كي أدير المحرك بعد كشف دقيق على المركبة من تحت إلى فوق توخياً للسلامة.

دق جرس الباب ، لم أُجِب ، وقفت أتصنَّت ، أتساءل ، من هذا المبكرِ الذي جاءني تواًّ ؟!

رجَّحت أن يكون أحد أقاربي ، أحد أصدقائي ، جاء يخبرني بموت ربما في أسرتي ، استعرضت في عجالة كبار السن والمرضى منهم، استبعدت أن يكون أيُّ من هؤلاء ، موت كبار السن والمرضى يُحل تدريجياً ، لا يباغت ، دُق الجرس ثانية في متواليات مُلِحة ، الأمر عاجل بالتأكيد ، لا مجال للإنتظار، هي قذيفة أو شظية قنبلة أو رصاصة عشوائية قتلت ربما أحد أفراد أسرتي أو أحد أقاربي أو صديق لصيق ، لِمَ لا ؟ ! هي وقائع يومية تتداولها الأخبار ، لِمَ لا تنالني ، هَلِعتُ ، تلاحقت دقات قلبي مجاهرة باضطراب جوانحي، حُمُـــوَّة شديدة ، نضح عرق ، وجوم .

استبعدت أن يكون الزائر ناعياً ، فلو كان الأمر يتعلق بإخبار عن وفاة كان يمكن أن يهاتفنى الناعي ، ملياَّ ، استبعدت هذا الإحتمال ؛ فشبكة هواتف المحمول خارج التغطية في الغالب ومقفلة إذا إنقطع التيار الكهربائي.

بدا أن الزائر ثَبَّت أحد أصابعه على زر الجرس ، رنين مُتصل مِلحاح ، خطوت نحو الباب أفتحه ، سمَّرتنى الذاكرة ، وقائع عِدة ، يُطرق الباب باكرِاً فما أن يُفتح حتى يُصلى الفاتح بالرصاص ويحتسبُ شهيداً .

مَن ؟!   مَن ؟!

تمتم من وراء الباب ، لم أتبين ما يقول ، أضفت إلى خطوي نصف خطوة ، سألته :

من الأخ ؟ أنت من وماذا تريد ؟

أجاب في غلظةٍ :

أعطني مما أعطاك الله.

لم يتوقف رنين الجرس ، قد يكون غرس الزر في المفتاح ، نغمة صوته تشي بعدوانية متحفزة ، تمنيت على الله أن يعطيه مما أعطاني عقاباً له على ما ألحقه بي فلا قِبل لي بأن أعطية مما أعطانيه.

إن الشحاذين يقتعدون الأرض أمام أبواب المساجد ، يقفون عند النواصي ، يتسكعون بحذاء تقاطعات الطرق ، بجوار أعمدة الإشارات الضوئية ، أمَّا أن يُدق باب البيت شحاذ فهو أمر مريب !

اعتراني قلق ما لبث أن اختفى بمجرد ترجيحي أن ما أحدثته أفواج المتسولين الوافدين من كساد في حرفة الشحاذة أدى إلى تمرد الشحاذين الأُصَلاء على أصول الحرفة ومقتضياتها واللجوء إلى دقّ أبواب البيوت.

أصَابت السائل نوبة سُعال ، تَمخط ، أصخت السمع أكثر، سمعت أنفاسه تتردد كحشرجة إنسان يموت ، كان يلهث ، أيضا كان يئن ، أشفقت عليه رغم استفزازه إياى ، لن أنهر سائلا ، سأرد عليه ردَّا حسناً ، أصرفه دون أن اؤذي مشاعره :

معذرة يا أخي .. ليس لديّ ..

قاطعني دون أن ينطق إذ ركل الباب بقوة حتى ارتج الباب وزيَّق ثم أطبق صمت أخافني، لكن الباب مغلق بقفلين ورتاج ولا يمكن لأي كائن أن يخترق الباب ويجتاز.

أصابتني إهانة الشحاذ بألم شديد، وبدا الانكسار مخبوءاً في عينين نديتين، تقهقرت خانعاً أجر الخطأ إلى الكنبة فقد يكون مضى.

استلقيت على الكنبة متمدداً شاخصاً إلى السقف ، استرخيت ، ما لبثت حتى وسنِت، غبت هنيهة ربما لكنيِّ جُلدت : راقد ؟ !

انتفضت فزعاً ، أدركت في إناءة أن النور مُضاء شأن شاشة التلفاز وأن التيار الكهربائي عاد منذ واقعة دقّ الجرس.

مستجدياً في إعياء : تِعبُ أنا ..  دعيني أرتاح قليلاً  ..

لمْ أفلح في استحلاب الرأفة.

توَّا نططت كما جن  .. لا تتكاسل .. قم … الخبز .

الصبح باكر .. جُلَّ المحال مغلقة ، تُفتح بعد حين وأحضر الخبز .. حاضر.

عذرك جاهز دائماً.

اختفت ، فتحت عيني ، رنوت إلى الشاشة ، كان الصوت في وضع كَتْم منِّي ، لا أطيق سماع الخرط ، راودتني سِنةُ فاستسلمت للرقاد.

صوت يهمس حانيا فيوقظني :

إصح  .. كفاك نوماً !

بدت واقفة ترنو ، عيناها لا تخلوان من شفقة , قالت : قُم .. إشرب قهوتك .. دخِّن .. توكّل على الله واخرج.

بُخار طفيف يتصاعد من فنجان قهوة تفوح بالحبهان يجاوره على سفرة كوب ماء مُثلج .

راقني رخيم الكلام حتى أنطقنى :

حنون .. والله حنون !

ابتسمتُ ، باسمتنى ، تزحزحتُ قاعداً ، لا طفت مداعباً :

شكراً يا عجوز .

عجوز ؟ !

شكراً يا صبية !! هه .

غادرتْ وقدح غضب في العينين ، لا بأس ، هو المد والجزر شأن كل يوم .

احتسيت قهوتي مع سحبات من سيجارتي ، مُتلذذاً ، أجرى الكيف نزراً من حيوية في عروقي، صقيع الماء أثلج صدري ، نهضت متوخياً الحذر متسللا على رءوس أصابعي نحو السيارة خيفة المناكفة بعد الملاطفة !

بحثت عن السيخ الذي دسسته في مكان خفي ، وجدته ، أدخلت السيخ الحديدي الطويل في أنبوب العادم ، لم يعق السيخ الصلب عائق ، توخيا للدقة في تنفيذ إجراءات السلامة كما وردت ، استلقيت على ظهري ، أدخلت جسدي حتى الصدر تحت السيارة ، أجريت السيخ الرفيع على صندوق كاتم الصوت ثم تحسسته بكفي ، ليس هناك أية لاصقة أو أي جسم غريب ، حمدت الله ، أنهك الجهد الذي بذلته منىِّ الجسد ، استلقائي على ظهري حثني على الاسترخاء قليلاً لكن شهقة دوَّت عند قدمي جعلتني انتفض وتصطدم جبهتي بباطن السيارة وتُشج ،  جررت جسدي من تحت السيارة ونهضت واقفاً أتحسس بيدي جبهتي ، رشْحُ دم ، صرخت بي مرتاعة :

ما بك ؟ !

كنت أفحص باطن السيارة  :

لماذا ؟ !

طرقتُ رفرف السيارة بالسيخ تحفزاً :

إجراءات سلامة !

سلامة ؟ !

قد تُلصق بباطن السيارة لاصقة تتفجر بالحرارة !

هراء .. أي منطق هذا ؟ !

منطق العبث !

إجابة صادمة أخرستها فلاذت عيناها بالسيارة تتفحص الجوانب متغافلة جرحي، تحسسته كي أُلفت الانتباه :

شُجّ رأسي .

دون مبالاة : – خدشُ بسيط .

خيّم على المكان سكون خشيت أن يحبُل ، استدرت أنوي إدارة محرك السيارة لكنها استطردت فالتفتُّ انصتُ:-

لا تتأخر  . . خذ معك هاتفك .. لا تجعلني أقلق .. أنتبه ولا تخفْ..

أفرحني رخيم الكلام :

حنون .. والله حنون ..!

قلت في خاطري .

جحظت عيناها بعد أن صوبتهما نحو رأسي ، مذعورة صاحت :

الخدش ينزف ! !

مَّررت سبابتي على موضع الجرح ، تلوثت بدم يسير ، قلت كاظماً غيظي :

الخدش لا يحدث نزيفاً .. إنه جرح .

قالت مواسية :

حسناً .. أمسح الدم .. سأحضر قهوة .. القهوة توقف النزف.

 مضت ، كفكفت قطيرات الدم بمنديل ورقي ، أدرت محرك السيارة ، شلتُ كيس القمامة متوجها إلى الباب افتحه ، سمعت خشخشة ونباح كلاب ، إستطلعت الشارع من خلال ثقب ، رأيت تل القمامة تعلوه وعلى جنباته بضعة كلاب تتقاتل كي تغُنم من فضلات غذائها وجرذان ربما كانت كامنة في عمق تل القمامة وقطط شوارع تتلطى الكلاب وتطارد الجرذان.

زكمتني رائحة عفنة تنبعث من القمامة فتقهقرت متراجعاً ، تخوفت من أن ينفذ جرذ من خلال فجوة إلى بيتي، تيقنت من خلو الباب من الفجوات ، باب البيت موصد بإحكام ولا يمكن لجرذ أن يخترق الباب إلا إذا فُتح.

طرحت كيس القمامة أرضاً:

لن أخرج.

جاءت بقليل من القهوة في ملعقة صغيرة، كنت قد نسيت الشَّجة ، وضعت كفِّى على جبهتي ، الجرح قب حتى كاد يلتئم ، قلت متودداً :

أنظري .. الجرح قب ، لكن ، لا بأس .. داونى.

عاينت الجرح ثم قالت :

قلت لك أنه خدش .. لن أمسـه .. سيبرأ حـالاً .

كبَّت قليل القهوة على الأرض ، دعكت الملعقة براحة اليد ، استطردت :

خذ كيس القمامة وأرمه في المكب ثم أحضر الخبز … هيا ..

قلت محذراً : – انظري من ثقب الباب.

تمعنتْ المشهد ، لم تكثرتْ ، اعترضتُ على اللامبالاة بصوت عال : –

لن أخـرج .

تساءلت في هزوءٍ :

أتخشـى الكلاب ؟ !

عضة الكلب تُصِب الإنسان بالسـُّعار . . وقد تَقْتـلُ  . .

الجرذان أيضاً تحمل وباء الطاعون . .

خطر الشحاذ الذي قد يكون متربصـاً ، لم أبح بالخاطرة ، كفاني ، تمادتْ :

بقيت القطط  . . هـه ! !

كظمت غيظي ، لكن الاستخفاف بي أثـــارني ، قررت أن اندفع خارجاً حتى مشارف التهور ، أوسعت الخطا في إتجاه الباب أفتحه ، تعثَّرت إذ وجف قلبي في متلاحقات و تعَّرقت ، حاولت أن أستغيث لكنيّ وجمت ، يَقِنَ إحساسي من وجود زائر ، شبوت بعينين مفزوعتين الي العُلى ، شبّه لي أن ” ابو العلاء المعري ” يعودني ، تملَّيت الوجه السَّمح ، سرى في كيانى خدر بدا كما الجذْبُ ، انفسحت شفتاي فسمعتنى أعتلج إعتذاراً :

ــ المعاناة فوق طاقتى يا سيدي !!

خجلت من القول بمعاناتى في حضرة رهين المحبسين ، طأطأت ثم شبوت ابحث عن الوجه الهلامى لكنه كان قد تلاشى .

ــ لن أخرج .

أوقفت محرك السيارة ، تقهقرت يثقل خطوي العجز والخجل ، كانت هي قد جاءت ، ما كُنت انتبهتُ ، لطمتْ خدها ، وجمت والفزع في العينين طاغِ ، حشرجت :

تحدث نفسك مرة أخرى ! ! ما بك يارجل ؟ !

أجبت :

على ما أراد الله ! !

ما أدركت فحوى القول ، طأطأتْ ، استدركتْ :

الخبز ؟ !

قلت : – غــداً .

اتسعت حدقتا عينيها ، واجهتني تصرخ غاضبة :

 غــداً بعيـد !

رددت : 

أبــداً . .  إنَّ غـداً لناظره قريب .

تأوهت :

قد لا تكـــــون ناظره .

فضضت الجدل :

سيكون له ناظر . . ثقى .

بنغازي 2013 م

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق