ثقافة وأدب

«ضباب هنا ضباب هناك» بقلم: سامي الكيلاني

يأسرك الضباب من بعيدٍ،

كما يأسر الذائبين فيه،

يذوب السابحون في بحر الضباب الخفيف

ذوب نقطة الحبر في جوف البحار،

في غلالة من أثير يذوبون

كمسحة من اللون تضيء سطحه،

كلمسة من جمال فريد،

يذوب الناس في الضباب الخفيف،

يذوب الطير، يذوب الشجر،

تذوب المركبات والعمارات،

ولكن لا يذوب في بحره فؤادٌ منتظِر

ولا يذوب فيه وجه أمي

ولا تذوب فيه هوية الروح،

ولا تذوب في جوفه بلورة الأمل.

يبقى السائرون ناساً، لا يبتلع وجوههم حوت الضباب،

وتبقى الكلاب كلاباً، مع أصحابها تتمشى،

أو يتمشون معها على مهلهم،

لا يذيب الضباب الخفيف الصور،

لا يضل الضباب الخفيف السائرين عن دروبهم،

قوافل الحب لا تتوه فيه،

ولا السارحات فجراً نحو الحقول،

للضباب الخفيف شفافية لا تقلّد،

يلذّ فيها المشي والعوم والرقص،

واصطياد القُبَل،

ويحلو في حضنه احتضان الأمل.

نخاف الضباب الكثيف،

مرعب غول الضباب الكثيف،

يغتال النور ويشعل فتيل الظلام،

يلوي عنق الحق، يغتال روح الحقيقة،

يضلّ القوافل عن دربها، يعمي العيون،

وتولد خلف أستاره شياطين غدرٍ ذات قرون،

تختبئ خلفه عيون العسس.

نصيح في وجهه: يا حاجب الرؤية والرؤى تبدّد،

يا قاتل المدى تبخّر،

يا محتال، يا بالع الضياء،

يا لص، يا عدو البصر،

تنحّ عن طريقنا،

رد للسائرين صبحاً تفاصيل الصباح،

رد للمشهد الصباحي ما خطفته من ألق،

إن كنت تبغي ودّنا غادر لؤم الخبايا

تكثف مطر.

يأخذك الضباب الحنون إلى شارع الضباب

تمشي مع المغني “مرة بالعذاب ومرة بالهنا”،

ويأخذك الضباب على جناح الذكريات،

تحط في مدينة الضباب يافعاً كما كنت،

يختصر الضباب الخفيف المسافات وامتداد الزمن،

يأخذك الضباب الخفيف صبياً إلى ساحة الحارة الأولى،

تطلّ على بحيرة غطت السهل الفسيح

طازجاً في صباحات أليفة،

يأخذك الضباب الخفيف بالأحضان،

تأخذه بالحضن معانقاً،

وترجوه أن يكتب براءة صريحة من كثيف الضباب،

براءة لا تردُّ،

ويعلنها على الملأ.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى