ثقافة وأدب

” أفئدة الطير “.. بقلم القاص: محمد مفتاح الزروق

في مواجهة جثمانه الذي فارق الحياة في ساعة ما من الليلة الماضية وقفت أغالب دمعتين وشوقا.

ما الذي دهاني؟ هل أقتل أنيس وحشتي هكذا في لحظة تعطش لمعرفة حمقاء؟! تبا لي ولفؤادي البالي كخرقة…

أمام جثمانه بكيت بهدوء حتى أسمعتني صوت نشيجي، وشممت ملحاً يغزو أنفي قادما من مكان ما من جوفي.

إنه طعم الحزن، إنه مذاق الفراق، هل قلت: أفئدة كأفئدة الطير آملاً أن أكون على رأسهم، أو في أسوأ تقدير من بينهم؟ أستطيع أن أحاجج كل فقهاء الأرض في تفسير هذا الحديث الشريف: “يدخل الجنة اقوام أفئدتهم كأفئدة الطير”.

إنهم أناس قلوبهم رقيقة من الحنان والرحمة والرأفة كما هي قلوب الطيور، مثلي. أو هكذا تراءى لي قبل أن يفقد أنيسي ورفيق اغترابي حياته على يدي.

أنا هنا منذ أن حل الخريف أنازع الشوق إلى بلدتي الوادعة في صحراء بعمق أحلامي، ليس لي ما يؤنسني سوى زقزقة عصفورين من نوعين مختلفين، أحدهما رمادي اللون ببقعة صفراء، والآخر أسود يخالط لونه بياض تحت بطنه، يأتيان مع غروب الشمس فيهجع أحدهما تحت خشبة مهملة، ويرقد الآخر وسط كومة أسلاك عشواء حاولت أن تلتف لتتخذ شكل العش.

يحلان ضيفين على عشتي التي آوي إليها لتعصمني من برودة الليل وإزعاج شمس الصباح.

هذا دأبي منذ أن غادر رفاقي هذه البقعة الواقعة في صحراء تواجه البحر في مكان ما من أرض ليبيا الواسعة، رمال ممتدة من عمق الصحراء حتى عمق البحر.

كنا نغزو البحر كل يوم بقاربنا القديم فنخرج الإسفنج المطلوب لدى سماسرة يأتوننا في مراكب أكبر وأمتن فيشترونه بثمن بخس ويبيعونه بما يظنون أنه ثمنه لأشخاص مثل قراصنة العصور الوسطى، حتى توقف محرك القارب عن العمل، ولأن المصائب لا تأتي فرادى جاء توقفه بعد عطل في السيارة رباعية الدفع، وعطل في مضخة الهواء التي تمنحنا أوسع قدر من الحياة تحت الأعماق.

هنا افترق كل الرفاق مصحوبين بقطع غيار لكل ما تعطل، وبقيت لوحدي أحرس القارب وما تبقى من متاع، وكل منهم وعد بالعودة وقد أحضر السبع من ذيله، ها هي الأيام مرت، ولا هم رجعوا ولا رجع الذيل.

طوال تلك الأيام التي غابوا فيها اكتشفت أنيسي الصغيرين: السنونو والحسون. لا أعلم حقا إن كنت أنا من حل ضيفا عليهم في تلك العشة الخربة، أم أنهما هما الضيفين.

بداية الخريف هو زمن هجرتهما، سواء كنت الضيف أو المضيف، لم يكن الامر يهمني كثيرا.

كل ما في الأمر انني اعتدت سماع زقزقتيها قبل نومنا كلنا صحيح أنني كل يوم تداهم مسامعي أصوات كثيرة لنوارس وحمائم وقبرات ويمام وغرانيق علامة لتنفس الصبح، غير أن أنسي بصوتيها كان يعطيني إيحاء بالهدوء والسكينة، فأنام قريرا لا أهتم إن عاد أصحابي بذيول أو بدونها.

في ذلك اليوم البائس دون غيره من الأيام أرقت، وطافت صورة المحبوبة المبتسمة لي بمخيلتي فاستبد بي الحنين.
كان كل شيء ساكنا والظلام يملأ المكان، شعرت بالملل فقررت أن ألاعب أنيسي الصغيرين اللذين أمنا إلي وسعدت برفقتهما أضأت مصباح الهاتف وتقدمت بهدوء إلى حيث ينام الحسون.

مددت يدي بهدوء ورأيت ريشه الأصفر يشع مثل قطع الفسفور الذي كان يزين جوانب طريق الباكور حتى عهد قريب جدا أمسكت به لكنه انتفض منزعجا.

لكأنني رأيت عينيه تلومانني، سمعت صوتا غريبا أسمعه منه للمرة الأولى أعدته بهدوء وتوجهت إلى حيث السنونو.

لم أشأ أن أمسك به بل ربت بهدوء على ريشه الأسود فانتفض هو الآخر هلعا وعاد إلى نومه.

في الصباح استيقظت على أصوات الطيور الأخرى، لكن أنيسي لم يصدرا أي صوت. تقدمت إلى مرقد السنونو.

كان مستلقيا على ظهره فاتحا لمنقاره فاقدا لآخر أنفاسه منذ وقت ما في الليلة الماضية.

ما الذي حدث له؟ اضطرب قلبي بشأن الحسون. اقتربت من خشبته حتى لا أزعجه مجددا، ورأيته.

كان ساكناً مثل كل شيء في العشة. تبا لي ولعبثي! هل هكذا أكافئ من أمن إلي ومكث في جواري؟

وقفت في مواجهة جثمانه الذي فارق الحياة في ساعة ما من الليلة الماضية هو الآخر أغالب دمعتين وشوقا.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى