ثقافة وأدب

ثقافة وأدب – قصة قصيرة – حكاية كاراكوز

بقلم:القاص محمد المسلاتي

كنَّا في كل ليلة من ليالي شهر رمضان.. نحتشد نحن أطفال الشارع قبالة بيت الرجل المسن.. ننتظر رجوعه من صلاة التراويح. ليبدأ في عرض الكاراكوز…

وما إن يجيء حتى نتدافع متزاحمين إلى وسط البيت القديم المتهالك الجدران.. نكتم أنفاسنا تحت الظلمة.. أبصارنا مشدودة نحو الستارة القماشية.. يتراقص ضوء الشموع خلفها.. يفتتح العجوز عرضه بجملته المعتادة: كاراكوز كاراكوز، باره حمص باره لوز.

يهتز أمام أبصارنا ظل عنترة العبسي.. وفرسان كثر على خيول من ورق.. تعلن الحرب، تتبارز سيوف من ظلال.. يغيّر العجوز نبرة صوته مع كل شخصية، نتحمس عندما يكبر ظل لأبي زيد الهلالي، أو عنترة المغوار.. ترتفع قهقهاتنا حين يقفز ظل شيبوب.. ويسعل الحازيواز.. تنتحب خالتي منّانة.. نتألم معها.. تدمع عيوننا لأجلها…

كنت مشدوهًا.. تبهرني شخوص الظل.. أعتز بها حينما تكبر على الستارة.. يرتفع نبضي.. ينخفض، ينقسم الأطفال إلى أكثر من مجموعة.. كل مجموعة تشجّع بطلًا بحماسة.. يعلو الصياح ينتهى العرض.. يسحب الرجل العجوز شخوصه الورقية.. يطفيء شموع العرض.. يغلق محله.. تتلقفنا شوارع المدينة القديمة.. يطارد بعضنا بعضًا.. نجري عبر الأزقة متقمصين شخصيات أبطال الظلال الورقية، سيوفنا من خشب.. جيادنا من عصي.

التهمتنا السنوات.. تهاوت بيوتنا القديمة.. بعد أن كبرنا.. أدركنا أن أبطالنا كانوا من وهم.. مجرد ظلال من ورق.. بكينا في الخفاء كثيرًا.. فاختزلت المدينة بكاءنا الموجع.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى