صحة

تجارب مذهلة قد تقود لعلاج التوحد … تعرف عليها

توصلت دراسة جديدة إلى أن الفئران تحمل الكثير من البكتيريا في أحشائها، وتؤثر هذه البكتيريا المعوية على كيفية عمل أدمغة القوارض.

وبحسب ما نشره موقع “Live Science” نقلًا عن مجلة “Nature”، وطالعته “قورينا” سعى باحثون من تايوان والولايات المتحدة لمعرفة كيفية تأثير بكتيريا الأمعاء على نشاط شبكات المخ العصبية المسؤولة عن تشكل السلوك الاجتماعي على وجه التحديد.

من المعروف أنه عندما يصادف الفأر فأرًا لم يسبق أن التقاه من قبل على الإطلاق، فإنهما سوف يشمان شوارب بعضهما بعضا ويتسلقان فوق بعضهما بعضا، تمامًا كالسلوك المعتاد من كلبين، في الحدائق العامة على سبيل المثال، عندما يستقبل كل منهما الآخر. ولكن تبين أن فئران التجارب، الخالية من الجراثيم والتي تفتقر إلى بكتيريا الأمعاء، تتجنب نشاط أي تفاعلات اجتماعية مع الفئران الأخرى وبدلاً من ذلك تظل منعزلة بشكل غريب.
العزلة الاجتماعية

قال الباحث الرئيسي في الدراسة وي لي وو، أستاذ مساعد في جامعة تشينغ كونغ الوطنية في تايوان وزميل زائر في معهد كاليفورنيا للتكنولوجيا: “إن العزلة الاجتماعية في الفئران الخالية من الجراثيم ليست بالأمر الجديد”. لكنه، وفريقه البحثي، أرادوا أن يفهموا ما الذي يدفع إلى نهج هذا السلوك غير المستقر، وما إذا كانت البكتيريا المعوية تؤثر فعليًا على الخلايا العصبية في مخ الفئران وتقلل رغبة القوارض في الاختلاط.

وصرح وو لموقع “Live Science” قائلًا إنه في المرة الأولى، التي سمع فيها أن البكتيريا يمكن أن تؤثر على سلوك الحيوانات، كان يعتقد، أن الأمر “يبدو مذهلاً ولكنه لا يُصدق إلى حد ما”، ومن ثم بدأ هو وزملاؤه بإجراء تجارب على الفئران الخالية من الجراثيم لرصد سلوكها الاجتماعي الغريب بشكل مباشر، وفهم سبب ظهور مثل هذه السلوكيات الغريبة.

قارن الباحثون نشاط الدماغ وسلوك الفئران الطبيعية مع مجموعتين أخريين هي الفئران، التي تمت تربيتها في بيئة معقمة لتكون خالية من الجراثيم، والفئران المعالجة بمزيج قوي من المضادات الحيوية استنفد بكتيريا الأمعاء. واعتمدت التجارب على مفهوم أنه بمجرد أن تدخل الفئران الخالية من الجراثيم إلى بيئة غير معقمة، فإنها ستبدأ في التقاط دفعة من البكتيريا على الفور لمرة واحدة فقط؛ ومن ثم كانت الفئران المعالجة بالمضادات الحيوية أكثر تنوعًا ويمكن استخدامها في تجارب متعددة.

وضع الفريق الفئران الخالية من الجراثيم والمعالجة بالمضادات الحيوية في أقفاص بها فئران غير معروفة لمراقبة تفاعلاتها الاجتماعية. وكما هو متوقع، تجنبت كلا المجموعتين من الفئران التفاعل مع الغرباء. وبعد هذا الاختبار السلوكي، أجرى الفريق العديد من التجارب لمعرفة ما كان يحدث في أدمغة الحيوانات والتي ربما تكون السبب وراء هذه الديناميكية الاجتماعية الغريبة.

وشملت التجارب أبحاث حول c-Fos، وهو جين يعمل في خلايا الدماغ النشطة. وبالمقارنة مع الفئران العادية، أظهرت الفئران المصابة بالبكتيريا المستنفدة نشاطًا شديدًا لجين c-Fos في مناطق الدماغ المشاركة في استجابات الإجهاد، بما في ذلك منطقة ما تحت المهاد واللوزة والحصين.

تزامن هذا الارتفاع في نشاط الدماغ مع ارتفاع في هرمون الإجهاد المسمى الكورتيكوستيرون في الفئران الخالية من الجراثيم والمعالجة بالمضادات الحيوية، بينما لم تحدث نفس الزيادة في الفئران ذات الميكروبات الطبيعية. وقال الباحث وو إنه “بعد التفاعل الاجتماعي، لمجرد خمس دقائق، يمكن أن يتم رصد هرمونات توتر أعلى بكل وضوح”.

كما اشتملت التجارب على تشغيل الخلايا العصبية في مخ الفئران وإيقافها حسب الرغبة باستخدام دواء معين، ولاحظ الباحثون أن إيقاف تشغيل الخلايا العصبية في الفئران المعالجة بالمضادات الحيوية يؤدي إلى تعزيز التواصل الاجتماعي تجاه الغرباء، في حين أن تشغيل تلك الخلايا في الفئران العادية نتج عنه حالة تجنب للتفاعلات الاجتماعية بشكل مفاجئ.

ومن جانبه، قال دييغو بوهوركيز، أستاذ في كلية الطب بجامعة ديوك الأميركية متخصص في علم الأعصاب ويدرس اتصال القناة الهضمية بالدماغ، والذي لم يشارك في الدراسة، إنه يشتبه في أن مجموعة من الميكروبات تعمل معًا لتعديل إنتاج هرمون الإجهاد والتوتر. ومن ثم يمكن اعتبار أن التجارب تقدم حجة قوية مفادها أن ميكروبات الأمعاء في الفئران العادية تساعد على الانخراط في السلوكيات الاجتماعية، بينما تتعامل الفئران الخالية من الجراثيم مع فرط إفراز هرمون التوتر وبالتالي ترفض الفرص المتاحة أمامها للاتصال اجتماعيا بالفئران الأخرى.

وقال بوهوركيز: “إن السؤال الذي يطرح نفسه بقوة هو كيفية استخدام الميكروبيوم المعوي “للتحدث” إلى الدماغ، وبالتالي المساعدة في التحكم في السلوك من أعماق الأمعاء”.
اضطرابات نفسانية عصبية

وأضاف بوهوركيز أن هذا النوع من الأبحاث يمكن أن يساعد العلماء يومًا ما في علاج الأفراد الذين يعانون من اضطرابات نفسية عصبية، مثل التوتر واضطراب طيف التوحد، بافتراض أن بعض الملاحظات في الحيوانات تنطبق على البشر.

علاجات للتوحد

تشير أبحاث سابقة إلى أن التوتر والقلق والتوحد غالبًا ما يتزامن مع اضطرابات الجهاز الهضمي، مثل الإمساك والإسهال، وكذلك مع اضطرابات ميكروبيوم الأمعاء. وقال بوهوركيز، إنه على مدى العقد الماضي، كان العلماء يحققون في هذا الارتباط بين الأمعاء والدماغ على أمل تطوير أساليب علاجية جديدة لمثل هذه الاضطرابات.

وأضاف قائلًا إن نتائج هذه الدراسة ربما تدفع عجلة الأبحاث إلى الأمام وباتجاه صياغة علاجات للتوحد تعتمد على الميكروبيوم المعوي، لكن بشكل عام، هي تسلط الضوء على “مزيد من التفاصيل فيما يتعلق بكيفية تأثير هذه الميكروبات على السلوك الاجتماعي”.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى