مجلة الكفاح العربي

سمير كرم يكتب من واشنطن .. الإحباط الأمريكي المزمن وراء الظاهرة

«النوبة الليبية » المفاجئة التي أصابت واشنطن ... الجزء الاول

حصري قورينا

كل يوم جمعة تصدر إدارة المعلومات للقوات المسلحة الأميركية نشرة تحتوي على عرض ملخص لثلاثة او أربعة بحوث أو كتب أو تقارير يهتم البنتاغون، بلفت انتباه كبار الضباط إليها فالنشرة توزع عليهم فقط وتحمل على هامش غلافها عبارة للفت انتباه الشخصيات الرئيسية الى موضوعات تدخل في نطاق مسؤولياتهم.
وعادة ما تسبق هذه النشرة إلى تلخيص مطبوعات لم تصدر بعد عن الجهات التي قامت بها فإدارة المعلومات في البنتاغون، تحصل على نسخ قبل النشر من كل بحث او تقریر کتاب – ربما في أي مكان في العالم – يكون قريبا بدرجة ما من الشؤون العسكرية والاستراتيجية
ويوم الجمعة الماضي (۹ آذار – مارس) احتوت هذه النشرة الخاصة للغاية على تلخيص لكتاب لم يصدر بعد. عنوانه القذافي، الإرهاب ، وجذور الهجوم الأميركي على ليبيا وقد لخص الكتاب ضابط امیرکی برتبة ملازم اول اسمه جیلز فان نیدرفين من السلاح الجوي الأميركي وأهم ما يلفت النظر فيما قاله الملازم نيدرفين في هذا العرض المختصر قوله إن ليبيا تمثل ذروة الشعور بالأحباط لدى القيادة السياسية الأميركية.
ولا بد من أن يكون الضابط الأميركي الذي عهدت إليه إدارة المعلومات للقوات المسلحة الأميركية. تلخيص هذا الكتاب قد قام بهذه المهمة قبل وقت كاف من الحملة الإعلامية الأميركية الأخيرة ضد ليبيا التي جددت الحديث القديم والأكاذيب ذاتها عن مجمع الرابطة الكيماوي فقد انطلقت شرارة هذه الحملة المجددة بالتحديد في نشرة اخبار المساء على شبكة تلفزيون اي بي سي، بوم ۷ آذار (مارس)، ولم تلبث أن اندلعت على نطاق واسع في تحقيقات واسعة على الصفحات الأولى من الجرائد الأميركية – بلا استثناء – صباح اليوم التالي، ثم في قاعات المؤتمرات الصحافية في البيت الابيض ووزارة الخارجية ووزارة الدفاع بعد ساعات من صدور الصحف وحتى كتابة هذه السطور لا تزال آلة طبع الاكاذيب وطاحونات الحملات الاعلامية تدور بلا توقف.
إنما تبقى الحقيقة البسيطة التي أكدها ضابط اميركي في السلاح الجوي ، السلاح نفسه الذي قام بالدور الأكبر في العدوان الأميركي الأخير على ليبيا في 14 نيسان (أبريل)١٩٨٦ وهي ان ليبيا تشكل الاحباط الأكبر لقادة أميركا السياسيين وقد يبدو للوهلة الأولي أنه ليس هناك من علاقة بين هذا الاحباط الأميركي المزمن من ليبيا وبين حملة الأسلحة الكيماوية التي ينتجها مجمع الرابطة والتهديدات المباشرة التي تشكلها على الأمن الأميركي، خصوصا ان المواجهة بين الولايات المتحدة وليبيا لم تشهد صداما مباشرا في الأونة.

حتى ليبدو أن احياء موضوع الإنتاج الكيماوي اللیبي مسالة مفتعلة بل لقد أعرب مراقبون أوروبيون وغيرهم في الدوائر الدبلوماسية في واشنطن وفي مقر الأمم المتحدة بنيويورك أن الحملة الأميركية الجديدة ضد ليبيا هي تغطية لموضوع آخر… ربعا لا تكون له علاقة بليبيا من قريب او من بعيد وأعرب بعض هؤلاء عن تصور بأن واشنطن تستخدم مجمع
الرابطة لشأن أوروبي بحت وإما أنها تريد الضغط على ألمانيا التي تشكل الأن مصدر تحد خطير للدور القيادي التقليدي الذي لعبته الولايات المتحدة في اوروبا الغربية منذ نهاية الحرب العالمية الثانية
وحتى الذين راوا أنه لا بد أن يكون لليبيا شان ولو مباشر فسروا الحملة التي تجددت فجاة بأنها ترمي إلى الضغط على فرنسا. بعدما رضخت. باريس ، من وجهة النظر الأميركية الإصرار الليبي على موضوع الطائرات الليبية المحتجزة وفي موضوعات اخرى متتالية تتعلق بالأسلحة وتشاد والعلاقات عموما بين البلدين يضاف إلى هذا ان فرنسا تبدو لواشنطن متحمسة الدور الالماني الجديد في أوروبا بعد وحدة المانيا. بصورة تعتبرها القيادة الأميركية تحديا يتمثل في خطر رجحان كفة أوروبا على كفة اميركا في التركيبة الأطلسية.

وليس هناك ما يستبعد أن يكون كل هذا صيححا، فإدارة بوش على الرغم من ظواهر كثيرة قد تدل على العكس – تبدو في حالة ارتباك وتردد، بل في حالة فقدان شعور بالاتجاه ازاء التغيرات السريعة والمذهلة التي وقعت في اوروبا الشرقية والاتحاد السوفياتي… حتى أن بعض قادة الكونغرس وصفوا رئاسة بوش في الأسبوع الذي سبق مباشرة تجديد الحملة ضد الماء والعودة الى اساليب الريغانية في الخصومة الحادة ضد العقيد القذافي، بأنها الشكل قيادة جبانة عاجزة عن الاستجابة الخلاقة والإيجابية امام الفرص الهائلة التي تتيحها احداث الاتحاد السوقياتي وأوروبا الشرقية
ومع ذلك لا بد من أن لشعور الاحباط الأميركي المزمن من لیبيا دخلا بالحملة الجديدة… لا بد من أن أسبابا ليبية بالتحديد استدعت فتح ملف الرابطة، مرة اخرى و قراءة ثانية في التهديدات المغلفه بالغموض حول عدم استبعاد استخدام القوة العسكرية ضد المجمع الكيماوي الليبي
المنطق السليم يقول بهذا . . وتعاقب الأحداث يؤكد هذا المنطق ايضا… وان كان لا ينفي ان خيبة الأمل الأميركية بشان مواقف اوروبا تصاحب مرة اخرى – عودة واشنطن الى اساليب خداع الراي العام الأميركي بشان وجود اخطار محدقة، بعدما زالت حجة الخطر السوفياتي وتهديدات الشيوعية العالمية. الخ ويبدو أن العامل الاوروبي ليس غائبا عن الكتاب الذي عرضته بايجاز نشرة ادارة المعلومات في البنتاغون. . . اذ يقول كاتب التلخیص الملازم نيدرفين المنتدب حاليا من السلاح الجوي الى وكالة الاستخبارات الدفاعية ) ان الولايات المتحدة وجدت نفسها بعد الهجوم على ليبيا في ربيع ١٩٨٦ في مواجهة عداء من جانب اوروبا الغربية. بينما اخذت ليبيا على عاتقها عدة عمليات انتقامية جريئة.
والأهم أن الأحداث المرافقة ل لحملة الجديدة – القديمة تدل ايضا على ان العامل الأوروبي کامن مرة اخرى في الدوافع الأميركية فالحملة من بدايتها تحمل عناصر اثارة الشكوك في موقف المانيا الغربية واشارت – في معلومات منسوبة الى وكالة الاستخبارات الدفاعية – الى وجود احتمال بان تكون جهات المانية الغربية قد استانفت تقديم المساعدات التقنية لليبيا في انتاج الاسلحة الكيماوية. في مجمع الرابطة ، لكن المسؤولين الأميركيين المجهولين الذين تحدثوا الى الصحافة الأميركية طوال الايام الاخيرة ومنذ بدء الحملة مشترطين عدم الاشارة إلى هوياتهم الرسمية تناقضوا في تصريحاتهم – التي شكلت لحمة الحملة وسواها اصلا – بشان دور المانيا الغربية. وبعضهم قال ان تعاون المانيا الغربية مع ليبيا في هذا المشروع يمكن ان يكون قد استؤنف وبعضهم قال انه ليس هناك دليل على ان بون لها ضلع في المرحلة التي قطعتها ليبيا اخيرا في انتاج الأسلحة الكيماوية… والتي يعتبرونها مبررا لانزعاج الولايات المتحدة.

وضوح الغموض
وزيادة في الغموض والتخبط فإن مرلين فتزو وتر المتحدث الرسمي باسم البيت الأبيض عاد فقال ان الإدارة الاميركية لا تعرف ما هي البلدان التي تزود مجمع الرابطة بالمواد الكيماوية التي تدخل في انتاج الأسلحة.
ولهذا الغموض بشان دور المانيا الغربية
تفسيره فلقد أكد البيت الابيض أن الولايات المتحدة تجري مفاوضات مع عدد من الدول الصديقة والحليفة لها من أجل اتخاذ خطوات وجهود قوية لوقف عمل هذا المصنع الليبي الخطير الانتاج الأسلحة الكيماوية… وقال المتحدث باسمه أن الولايات المتحدة اعربت عن قلقها لعدد من الحكومات بينما لم تقل واشنطن بالتحديد اية حكومات تلك التي تجري اتصالاتها معها بشان الرابطة… الا أن مسؤولين غربيين صرحوا لصحيفة نيويورك تايمز، بعد يومين اثنين من اولى شرارات الحملة بان خلافات حادة قد ظهرت بين الولايات المتحدة والمانيا الغربية حول كيفية الاستجابة للدليل (الذي تقدمه واشنطن على أن ليبيا قد استانفت انتاج الأسلحة الكيماوية
وقالت هذه المصادر ان دیتریش غينشر وزیر خارجية المانيا الغربية اقترح ان تتقدم الحكومات الغربية بطلب الى الحكومة الليبية بان توافق على زيارة فريق دولي لمجمعها الكيماوي في الرابطة، باعتبار أن ذلك اسلم الطرق للتحقق من ان المجمع قد توقف عن انتاج اسلحة كيماوية.. لكن هذا الاقتراح الذي قدم في اجتماع وزراء خارجية أوروبا الغربية في ۲۰ شباط فبراير الماضي اثار اعتراضات صارخة من جانب الحكومتين الأميركية والبريطانية بل أن ريجينالد برثولميو المسؤول الأول عن شؤون مكافحة انتشار الأسلحة الكيماوية في وزارة الخارجية ) وهو نفسه الذي شغل في عهد ريغان منصب سفير واشنطن لدى لبنان) استدعى سفير المانيا الغربية في واشنطن الى وزارة الخارجية ليبلغه رفض ادارة بوش اقتراح غينشر وقال المسؤول الأميركي للسفير الألماني جيرغين روفوس أن الحكومة الأميركية تعارض بشدة أي اقتراح يقوم على التفتيش لأن هذا لن يمنع ليبيا من ان تستانف بسرعة انتاج الاسلحة الكيماوية. وقد اعترف ريتشارد بوتشر المتحدث الثاني باسم الخارجية الأميركية بان ادارة بوش تعتقد ان العقيد القذافي يستطيع ان يستخدم أي اقتراح للتفتيش لمصلحة ليبيا.

وحقيقة الأمر أن إدارة بوش عندما قررت تفجير المشكلة مجددا قدرت أن العقيد القذافي سيرفض التفتيش لأن الولايات المتحدة سبق أن رفضته. وبالتالي فانه سيكسب مزيدا من المواقع في المواجهة مع واشنطن أمام الدول العربية والافريقية والأوروبية ايضا. ولهذا بنت خطتها على محاولة المساومة على الحد الاقصی بالضغط على دول أوروبا الغربية – خصوصا المانيا الغربية – لتایید اصرارها على ضرورة تفكيك مجمع الرابطة.. وقد ادركت بون أن واشنطن تطلب المستحيل ومرة اخرى وجدت الولايات المتحدة نفسها على خلاف حاد مع بون وخلافات مماثلة مع العواصم الأوروبية الأخري. . . باستثناء لندن فقد حافظت مارغريت تاتشر على تقليد الانصياع لمشيئة واشنطن دون اي مقاومة .
ولكي تكسب إدارة بوش حملتها درجة أعلى من المصداقية والخطورة تركت للمصادر المجهولة من وكالة الاستخبارات الدفاعية – أكبر وکالات الاستخبارات الأميركية على الاطلاق – أن تطلق تصريحات أشد صخبا من تلك التي بدأت بها الحملة ولجات إلى تغطية هذه المصادر وراء ستار خبراء الحد من الأسلحة، في واشنطن ونسب إلى هؤلاء ان الليبيين يملكون القدرة على بناء صاروخ كيماوي (أي صاروخ يحمل رأسا كيماوية) يستطيع الوصول الى مدن أميركية وذلك في غضون خمس سنوات من الآن.

اظهر المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق