مجلة الكفاح العربي

” النوبة الليبية ” المفاجئة التي أصابت واشنطن – الجزء الثاني

الإحباط الأمريكي المزمن وراء الظاهرة

حيلة العاجز

ثم لجأت إدارة بوش إلى حيلة قديمة تعد الآن في دوائر الاستخبارات واحدة من حيل العاجزون لقد استشهد الخبراء الاميركون في تصريحاتهم عن انتاج الأسلحة الكيماوية في الرابطة، بمعلومات كانت قد ذكرتها قبل نحو أسبوعين نشرة بريطانية معروفة بعلاقاتها باجهزة الاستخبارات، هي نشرة فورين ريبورت – التي تصدر عن المؤسسة نفسها التي تصدر مجلة ایکونومیست، البريطانية الأسبوعية . وأفادت فيها ان مصنع الرابطة وان كان لا يعمل بعد بطاقته الكاملة في الإنتاج الا انه ينتج من غاز المسطردة السام ما يكفي لملء عدد يتراوح بين ۸۰۰ و ۱۰۰۰ قذيفة مدفعية كل شهر، كما قالت النشرة نفسها ان الرابطة أنتجت حتى الآن ۳۰ طنا من هذا الغاز

أما الحيلة البالية في الاستناد إلى معلومات نشرة فورين ريبورت (ومعناها التقرير الخارجي( فهي ان معلومات النشرة مستمدة كلها أصلا من الاستخبارات الأميركية ومن الواضح ان النشرة البريطانية زودت بهذه المعلومات بنية الاستشهاد لها بعد ذلك، وكأنه استشهاد من مصدر مستقل وموثوق بها )
والقت مصادر أميركية أخرى في تلك الأثناء باسم الصين – بطريقة سريعة ولم تتوقف كثيرا عندها – على انها قد تكون مصدر المواد الكيماوية اللازمة لكي ينتج مجمع الرابطة الأسلحة الكيماوية. وكانت واشنطن تحاول ممارسة لعبة الشد والجذب مع بون والدول الأوروبية المعارضة للتهويل الأميركي في شان ” الرابطة “..

وقد أضرت واشنطن بنفسها – عن غير قصد غالبا – عندما اختارت الاستشهاد بمعلومات نشرة فورين ريبورت» البريطانية عن انتاج الرابطة، ۳۰ طنا من غازات الأعصاب وذلك لأنه جاء في توقيت بالغ السوء مع اعلان بيان صدر في بون وواشنطن عن رضوخ إدارة بوش لرغبة المانيا الغربية في أن تسحب الولايات المتحدة من الأراضي الألمانية ابتداء من الصيف المقبل، الأسلحة الكيماوية المخزونة هناك

وسيتم سحب اكثر من ۱۰۰ الف قذيفة مدفعية مشحونة بالغازات ويبلغ وزن غازات الأعصاب التي تحتويها هذه القذائف اكثر من 400 طن ..

القلق المصطنع
400 طن من غاز الأعصاب ستسحبها الولايات المتحدة من أراضي ألمانيا الغربية مع بداية الصيف المقبل إلى جزيرة مهجورة في المحيط الهادي بعد أن تمر برحلة مفزعة بالقطارات عبر أراضي ألمانيا إلى ساحل الأطلسي لتبدأ رحلة أخرى بالبحر حتى المحيط الهادي، وكان من الطبيعي أن تبدو المعلومات الأميركية الأصل في النشرة البريطانية المنشأ عن 30 طنا من غاز الأعصاب فاترة وباهتة خصوصا بكل ما يحيط بهذه المعلومات من شكوك.

لكن الجانب الأهم في هذه المفارقة، والذي لم يتوقف عنده أحد هو ان المئة الف قذيفة كيماوية المحتوية على الأطنان الاربعمئة من غاز الأعصاب التي ستسحبها أميركا من مخازنها في المانيا الغربية تمثل نسبة ضئيلة من مخزون الأسلحة الكيماوية الأميركي، نسبة ضئيلة جدا كم؟ هل هي ربع هذا المخزون مثلا او ثلثه، أبدا..
انها تشكل نسبة واحد بالمئة من المخزون الأميركي من الأسلحة الكيماوية واحد بالمئة فقط مما هو موزع بين قارات العالم حيثما وجدت قواعد أميركية وقوات أميركية وسفن حربية اميركية (…)

فمن الذي يمكن ان يصدق بعد هذا حكاية، قلق الولايات المتحدة والخوف الذي يستبد
بها من ” الأسلحة الكيماوية الليبية ”
اي درجة من المصداقية يمكن ان تبقى لتصريحات البيت الابيض والبنتاغون ومعلومات وكالة الاستخبارات الدفاعية ؟

واذا كان احد قد فوجئ بهذه المفارقة بين 30 طنا من غاز الأعصاب تدعي واشنطن انها أنتجت في ” الرابطة ” في الشهور الأخيرة و400 طن ستضطر واشنطن لسحبها عبر أوروبا من المانيا الى الأطلسي فالباسيفيكي … فأن ثمة مفاجأة أخرى ضمن الحملة الأمريكية الجديدة على الجماهيرية الليبية :ان الإدارة الأمريكية على عكس كل التوقعات السابقة منذ تسلم بوش السلطة مصرة على الاستمرار في برنامج ” المبادرة الاستراتيجية الدفاعية ” التي تسميها الصحافة الاميركية ” حرب النجوم ” الذي لايزال اكبر عدد من العلماء الاميركيين الجادين يعدونه شطحة ريغانية غير ممكنة التحقيق في الواقع .. سوى تحقيق إفقار الاقتصاد الأمريكي وإثراء شركات الأسلحة …حتى بعد كل التطورات الجارية في علاقات الولايات المتحدة والاتحاد السوفياتي وانهيار الجدران وتحطيم التماثيل والنصب الشيوعية في العالم ..

هل لهذا علاقة بالحملة ضد ليبيا ؟ نعم وعلاقة قوية .. اذا بقى من يمكنه ان يصدق إدارة بوش

لقد خص احد المصادر في هذه الإدارة صحيفة نيويورك دیلی نيوز بأحد الأسرار الاستراتيجية التي لم يتطرق اليها احد … ان الإدارة الاميركية عازمة على أن لا تمزق برنامج أبحاث حرب النجوم ضمن حمى الاندفاع نحو نزع السلاح

ربما كف الاتحاد السوفياتي عن أن يكون امبراطورية الشر، لكنه لا يزال قوة نووية وعملية لزعزعة الاستقرار التي يمكن ان تحدث على نطاق كلي اذا سقط غورباتشوف من السلطة ستكون مخاطرة تتجاوز كل ما يمكن ان يصدقه العقل ان الولايات المتحدة تحتاج لطريقة لتصد بها صاروخا عابرا للقارات يطلقه قوميون متعصبون من الروس

والى هذا الحد يبدو الأمر منطقيا بمنطق الإدارة الأميركية على الأقل، لكن السر يأتي بعد ذلك مباشرة ” أما الأمر ذو الأهمية الفورية فهو التهديد الذي تفرضه الوسائط الكيماوية والبيولوجية وغاز الأعصاب التي يخزنها المتطرفون في العالم الثالث … وليس هناك احد في الشرق الأوسط يمكن ان يعد استخدامه الأسلحة الكيماوية اكثر احتمالا من القذافي ..
ان تكنولوجيا المبادرة الاستراتيجية الدفاعية اذا اكتملت هي الدفاع الوحيد الممكن ضد الأسلحة البيولوجية والكيماوية من النوع العابر القارات ، بأختصار مطلوب من العالم ان يصدق الولايات المتحدة تستعد باسلحة الفضاء بسبب التهديد الذي يشكله مجمع الرابطة الكيماوي في الجماهيرية الليبية … وبين أسباب أخرى فأن هذا السبب ، هذا
التهديد هو الذي ينفرد بوصف ” ذي أهمية فورية ”

فاذا افتقرت الولايات المتحدة بعد هذا كله الى ادلة حسية على صحة اتهاماتها وادعاءاتها عن الأسلحة الكيماوية في ليبيا، فلجأت إلى الحجة القائلة لو كان ” مجمع الرابطة ” لا ينتج سوى مستحضرات دوائية كما تؤكد ليبيا لما كانت هناك حاجة لحراسته على النحو الذي تحرسه به ليبيا والحجة واهية للغاية وهي تقال بعد اربع سنوات من العدوان الأمريكي على المدن الليبية خصوصا ان الولايات المتحدة لا تكف عن توجيه التهديدات ضد ليبيا من كل موقع .. وان الولايات المتحدة الأمريكية التي يفصلها عن العالم الخارجي محيطان شاسعان الأطلسي شرقا والهادي غربا، تفرض حراسة مشددة على مراكزها الصناعية وعلى مبانيها الحكومية … وحتى على متاحفها، وتستخدم في سبيل ذلك اعلى قدرات التكنولوجيا الإلكترونية في تطبيقاتها العسكرية والأمنية

فهو التهديد الذي تفرضه الوسائط الكيماوية والبيولوجية وغاز الأعصاب التي يخزنها المتطرفون في العالم الثالث وليس هناك احد في الشرق الأوسط يمكن ان يعد استخدامه الأسلحة الكيماوية اكثر احتمالا من القذافي ان تكنولوجيا المبادرة الاستراتيجية الدفاعية إذا اكتملت في الدفاع الوحيد الممكن ضد الأسلحة البيولوجية والكيماوية من النوع العابر القارات

باختصار مطلوب من العالم أن يصدق ان الولايات المتحدة تندد باسلحة الفضاء بها التهديد الذي يشكله مجمع الرابطة الكيماوي في الجماهيرية الليبية وبين أسباب اخري فان هذا السبب هذا التهديد هو ينفرد بوصف “ذي أهمية فورية”
فإذا افتقرت الولايات المتحدة بعد هذا كله إلى ادلة حسية على صحة اتهاماتها وادعاءاتها عن

إنتاج الأسلحة الكيماوية في ليبيا. فلجأت إلى الحجة القائلة بانه لو كان مجمع الرابطة لا ينوي سوي مستحضرات دوائية كما تؤكد ليبيا كلت لما كانت حاجه الى حراسته على النحو الذي تحرسه به ليبيا. والحجة واهية للغاية وهي تقال بعد أربع سنوات من العدوان الأميركي على المدن الليبية خصوصا أن الولايات المتحدة لا تكف و توجه التهديدات ضد ليبيا من كل موقع وان الولايات المتحدة التي يفصلها عن العالم الخارجي محیطان شاسعان، الأطلسي شرقا والهادي غربا، تفرض حراسة مشددة على مراكزها الصناعية وعلى مبانيها الحكومية . . وحتى على متاحفها، وتستخدم في سبيل ذلك اعلى قدرات التكنولوجيا الإلكترونية في تطبيقاتها العسكرية والأمنية

الاستثناء

وربما بعد هذا كله يذكرنا أحد المسؤولين المتحمسين لرئيسه بوش مهما فعل بان الرئيس بوش هو الذي قال في خطاب القاه في أواخر حملته الانتخابية في تشرين (اكتوبر) ۱۹۸۸ اذا انتخبت رئيسا، وإذا كان العالم سيذكرني باي شيء. فسيكون هذا الشئ: حظر كامل وشامل على الأسلحة الكيماوية .. تدميرها إلى الأبد. هذه رسالتي الشريفة. . وأن الرئيس بوش هو الذي قال أمام الأمم المتحدة يوم 20 ايلول ) سبتمبر ( الماضي انني أدعو دول العالم إلى القيام بجهد دولي منسق ضد الغازات السامة.. لقد عاش العالم أطول مما ينبغي في ظل الحرب الكيماوية

دعونا تتصرف معا ابتداء من اليوم لتخليص الأرض كلها من هذا البلاء

وربما يجد اي مسؤول اميركي في ادراج مكتبه صفحات لا نهاية لها من خطب بوش في الداخل والخارج قبل الرئاسة وبعدها بشأن تخليص الشربة من فزع الحرب الكيماوية … لكن الحقيقة ان الإدارة التي لعبت الدور الأكبر في صوغ مسودة مشروع معاهدة حظر الأسلحة كيماوية – وهي إدارة الرئيس بوش – والتي تحولت الى معاهدة وقعت عليها 60 دولة قررت الاستمرار في انتاج الأسلحة الكيماوية.

قررت استثناء نفسها عن بقية دول العالم. انها تواصل انتاج الأسلحة الكيماوية الجديدة

الأكثر فتكا وخطورة. وتركت للناطق باسم البيت الأبيض ان يعلن في تشرين الأول (أكتوبر) الماضي ان استمرارها في انتاج الأسلحة الكيماوية ليس سرا. .

ولقد سبب ذلك لبوش حرجا شديدا.. ليس أمام الاتحاد السوفياتي وحده الذي كان قد رحب بفكرة التخلص من الأسلحة الكيماوية وأعلن استعداده لتدمير كل ما لديه منها … وهو كثير يقدر بنحو 50 الف طن – بل حتى أمام الصحافة الاميركية التي اتهمته فعلا بالنفاق على اقل تقدير … والخداع في ابشع صوره

لقد جاء قرار الرئيس بوش بان تستمر الولايات المتحدة في انتاج الأسلحة الكيماوية بعد مراجعة سرية بدرجة غير عادية للسياسة الأميركية في هذا الصدد. وبطريقة تتناقض بشكل صارخ مع الإجماع الطويل بين الدول الأربعين التي تتفاوض على معاهدة جنيف على ضرورة وقف كل انتاج للأسلحة الكيماوية، تمهيدا للتدمير الكلي لهذه الأسلحة عندما يتم التوقيع على هذه المعاهدة. كان هذا ما قالته صحيفة واشنطن بوست ، يوم 9 تشرين الأول )اکتوبر( الماضي وقالت ان محللين مستقلين كثيرين.

وحتى مسؤولين أميركيين انتقدوا قرار بوش ووصفوه بانه يشجع دولا أخرى على أن تحذو حذو الولايات المتحدة. كما قالت الصحيفة آنذاك ان التفصيلات المتاحة حول الكيفية التي تم بها التوصل الى هذا القرار تدل على أن كبار المسؤولين الذين عينهم بوش يختلفون بشدة حول الحكمة من حظر الأسلحة الكيماوية، وان قراره – وهو اول قرار يتخذه كرئيس في هذا الموضوع – قد صيغ لتفادي خيار واضح بين المتحمسين والمتشككين
وقد ذهب بوش خطوة أبعد من هذا عندما بدا الدبلوماسيون الأميركيون تنفيذ تعليماته بالسعي لإجراء تعديلات على صيغة المعاهدة بحيث تسمح للدول التي تنتج الغاز السام وقت البدء في موضع المعاهدة موضع التنفيذ بأن تستمر في ذلك لحين يأتي فيما بعد وقت تدمير الأسلحة الكيماوية كافة، ويبدو ان إدارة بوش اعتبرت أن مثل هذا التعديل مفصل على قياس الولايات المتحدة وحده، وقد وزع البيت الأبيض على الفاعليات السياسية الرئيسية في إدارة بوش في ذلك الوقت مذكرة قرار سرية، تحمل توقيع الرئيس بوش نفسه. ولم تكن المذكرة تحمل شيئا اكثر من إبلاغ صانعي القرار بقراره بأن تستمر الولايات المتحدة في انتاج الغاز السام ولم تشر المذكرة الي تعارض ذلك مع معاهدة حظر الأسلحة الكيماوية أو حتى تأثيرهعلى المعاهدة ..

و علقت صحيفة ، سايتل بوست انتليجنسر على قرار بوش هذا – في يوم 11 تشرين الماضي بقولها ان هناك أحد احتمالين إما أن بوش لا يعرف ما برید حقا بشأن الأسلحة الكيماوية وإما أنه منافق ويعرف ذلك ونحن نفضل ان نعتقد الاحتمال الأول احتراما له ولمنصبه .. واختتمت تعليقها بتذكيره بوعوده عندما كان مرشحا وقالت لقد انتخبت فعلا رئيسا. يا سيادة الرئيس ولقد كانت آراؤك كمرشح اكثر حكمة إلى حد بعيد من سياستك الآن كقائد اعلى ..

في ذلك الوقت خفت صوت بوش كثيرا حول الأسلحة الكيماوية الليبية ، فلم يكن يستطيع أن يتناقض الى هذا الحد الصارخ وعلنا

ولكنه لا يزال قادرا على ان يتناقض بصورة صارخة وعلنا… فقط بعدما انتهت حملة النقد اللاذعة التي اثارها قراره بان يطيع نصيحة جنرالات البنتاغون، المعارضين لحظر الأسلحة الكيماوية، هاهو يعود إلى الصخب السابق ضد الرابطة. .

… دون أن يعني هذا أن حملة بوش الراهنة ضد ليبيا هي حملة ضد أسلحة كيماوية
انه يعرف جيدا ويعرف مستشاروه انه يستند إلى ادلة واهية للغاية لا تقنع حتى اقرب حلفائه في أوروبا..الحملة هي ضد ليبيا.. انها لا تزال مصدر الإحباط الأكبر للجالس في مقعد الرئاسة في البيت الأبيض

لقد نشرت الصحف الاميركية النفي الرسمي الليبي للاتهامات الأمريكية بشأن مجمع الرابطة، نعم ولكن في سطور قليلة في الصفحات الداخلية لا يكاد يلمحها قاريء اميركي بين قراء تعتمد نسبة 99 بالمئة منهم على نشرة الأخبار التلفزيونية أما حملة إدارة بوش ضد الجماهيرية الليبية وجو التوتر المصاحب للامتناع الموحي تأكيدا او نفي احتمال هجوم عسكري ضد مجمع الرابطة. فانه ينتشر على مساحات الصفحات الأولى بالدرجة التي تناسب افكار إدارة وصلت إلى حد اعتبار الخطر الليبي واحدًا من أسباب ومبررات الاستمرار في برنامج اسلحة الفضاء وحرب النجوم

الا تبدوان نوبة ليبية مفاجئة تصيب البيت الأبيض وتهز بشدة كل الجهاز العصبي المتحكم بسياسة العاصمة الأميركية؟
الا تبدو شبيهة إلى حد أقصى بنوبات كثيرة سابقة ؟

ثم الا تدل على ان غاز الأعصاب – اذا كانت تنتجه ليبيا او لا تنتجه – يؤثر دون أن يستخدم على طريقة تفكير صناع القرار في واشنطن ولا يبقى سوى انتظار معرفة مدى ” عنف ” النوبة ..

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى