قصة من التاريح

ليبيا والحبشة وآلاف القتلى..

في هذه الأيام تحتفل أثيوبيا بالذكرى موقعة (عوادة)، تلك المذبحة المفاجئة التي لقيها الجيش الإيطالي ذات يوم مدهش من مارس/آذار عام 1896، فيما كان يجتاز روافد النهر متجهاً إلى (أديس أبابا).
كانت إيطاليا تعتقد أنّ الأمر كله مجرد نزهة قصيرة في حقول البن وجبال أثيوبيا الساحرة وقد عبأت وحداتها المرابطة في الصومال وزوّدتها بقافلة من البغال والحمير ثم طلبت منها أن تركض إلى أثيوبيا، ولكن المعركة انتهت بمذبحة فضيعة شارك فيها الماليتا والقطط البرية والجيش الأثيوبي الذي اعتمد في مؤنه على آذان الإيطاليين، وعادت البغال وحدها في النهاية وانتهت المعركة بفضيحة عالمية.

ثم مرّت ثلاثون عاماً أخرى – ووصل موسليني إلى الوزارة، وأصبح رجلاً مخيفاً ومهيباً، وقرر أن يغسل تلك الفضيحة بجردل من الخطب المحزنة. وفي الثالث من أكتوبر/تشرين الأول عام 1935 ألقى الدوتشي إحدى جرادله من شرفة (بياتزا فينيسيا) وأعلن للعالم أنّ أثيوبيا تواجه في تلك اللحظة هجوماً إيطالياً ساحقاً.

والواقع أنّ الدوتشي كان قد قرر أن يغسل عاره بدماء الليبيين وحدهم، وقد نقل إلى أثيوبيا تسعة فيالق ليبية وزودهم – كالعادة – بقافلة من الحمير، وبغل واحد اسمه (غراتسياني)، ثم طلب من البابا أن يقرأ الصلاة على أرواحهم جميعاً.

وبدأ الليبيون الهجوم بلا صلاة. كانوا يقاتلون بحماس نهائي أثار دهشة العالم، وكانوا يبدون من الكراهية للحبشيين أكثر مما أبدى (غراتسياني) نفسه، مرتكبين سلسلة من الفظائع الرهيبة على طول القرى والمدن، منطلقين بهياج لقتل أي شيء يتحرك في طريقهم مثل وحوش جائعة منذ ألف عام.. وكان العالم يتابع أنباء المذبحة بدهشة بالغة، فلم يكن ثمة من يعرف لماذا يحارب الليبيون بكل هذا الإخلاص! والواقع أنّ حل اللغز كان لعبة أخرى.
فالمعروف أنّ إيطاليا أتمّت غزو ليبيا بوحدات صومالية شحنت في سفن الدوتشي من موانئ إريتيريا والصومال الإيطالي، وأُفرغت على طول السواحل الليبية لكي تقوم بأكبر عملية إبادة جماعية شهدها العالم حتى ذلك العصر، ورغم أنّ الصوماليين فشلوا في إنجاز المهمة، فقد أدوا دوراً آخر أكثر فظاعةً فيما يخصّ مداهمة القرى اللّيبية وتدميرها عبر سلسلة من العمليات المفاجئة من الغرب إلى الحدود الشرقية في مسيرة واحدة.
وقد شهد اللّيبيون إذ ذاك أياماً عصيبة في مواجهة الوحدات السوداء المدربة الجيدة السلاح، وبدا من الواضح أنّ عملية القهر العسكري التي أُنجزت في خيام الرعاة والمدن لن تنتهي عند حد، فالمرتزقة لا يعرفون حدوداً نهائية لأية معركة إلّا بعد أن يروا بأنفسهم أنهم أصبحوا سادة الموقف مباشرة.
وهكذا بدأت فترة (الإذلال) التي نفّذها الصوماليون لتأكيد انتصارهم العسكري، وشهد الليبيون مرة أخرى سلسلة مريعة من عمليات الاغتصاب والنهب والضرب بالسياط ومعسكرات التعذيب وحرق الأحياء وقتل الأطفال والعجائز، ووصلت المأساة قمتها خلال أعوام المجاعة العامة، واستعرض الصوماليون نفوذهم في حلقة أكثر ألماً لإذلال الشعب بأسره مقابل بضعة أرغفة من الخبز المتعفن.
هنا بدأت آلاف الحكايات المريعة تنتقل إلى العالم الخارجي عن المأساة التي تعيشها ليبيا في مواجهة وحدات موسوليني البربرية، ولكنّ العالم كان مشغولاً بمشاكله الخاصة، ولم يكن ثمّة من يهتم بأن ينقرض أحد الشعوب المتأخرة ما دام ذلك يستطيع أن ينقذ أوروبا من موسوليني.
وكاد الليبيون أن ينقرضوا ثم أحنوا رؤوسهم في النهاية وقرروا أن يغيروا خطتهم تجاه إيطاليا، ولكنهم لم ينسوا قط ما فعله ذلك (الجندي الأسود) الذي عرفوه باسم (مصوعي)، وعرفوا أنه جاء من أفريقيا.. من مكان ما بين (مصاغة) في السودان وبين مدغشقر.
هذه النقطة بالذات هي التي سوف يحسن (غراتسياني) استغلالها عندما يجهز وحداته الليبية لغزو أثيوبيا، فما دام لا أحد يعرف من أين جاء (المصوعي) على وجه الضبط، فلماذا لا تستغل الدعاية الإيطالية هذه الفرصة وتقول لليبيين إنه جاء من (الحبشة) وإن الدوتشي سيحملهم إلى هناك لأخذ ثأرهم القديم، والانتقام لأيام الذل تحت نعلي العبد الأسود.
كانت كذبة كريهة. وكان (غراتسياني) يعرف أنه يكذب، وأن أثيوبيا لم ترسل جندياً واحداً إلى ليبيا، ولم تشارك في غزوها على أي نحو، لكنه كان يعرف أيضاً أنه يتعامل مع شعب أمّي جاهل يمكن إقناعه بأي شيء.
وفي الشهور التالية واجهت أثيوبيا مذبحة عامة. وأدى الليبيون مهمتهم بإخلاص يفوق إخلاص الإيطاليين أنفسهم، وقتلوا كل شيء وجدوه في طريقهم وأحرقوا الأطفال أحياء واغتصبوا أمهاتهم، وأشعلوا النار في القرى والكنائس وخوضوا في الدماء حتى ركبهم. وكان الليبيون يقاتلون جنباً إلى جنب مع الوحدات الصومالية، مع (المصوعي) الذي كان من المفروض أنه يقف في الجبهة الأخرى.
وفي إبريل/نيسان 1936 قام الليبيون بهجوم نهائي من الجنوب وهزموا الجيش الأثيوبي الذي كان يقوده الأمبراطور بنفسه عبر بحيرة (عشانجي)، ثم شقوا طريقهم في اتجاه الشمال حتى التقوا بفيالق القائد العام (بياترو بادو جوليو) وسقطت (أديس أبابا) بعد أحد عشر يوماً، وخطب (غراتسياني) في ذلك اليوم خطبة مريعة أعلم فيها الليبيين أن عملية أخذ الثأر قد تمت بنجاح، وأن عليهم أن يذهبوا إلى بيوتهم.
أما الإمبراطور هيلاسيلاسي فقد تقدم مطرقاً ليُلقيَ أمام عصبة الأمم في جنيف إحدى خطب هذا العصر الشهيرة فيما كان الصحفيون الإيطاليون يملأون القاعة بالصياح لإخماد صوته العظيم، وقال الإمبراطور إن بلاده تواجه حرب إبادة، وإن الإيطاليين يتعمدون الكذب على الأمم الأفريقية لجرها إلى المعركة غير المتكافئة، وإن موسوليني يستعمل الغازات السامة المحرمة دولياً، ثم رفع الإمبراطور رأسه وقال للعالم: (إنّ أثيوبيا تواجه بربرية أوروبية).
وفي ذلك اليوم كان (فيتوريو) ابن موسوليني يحدث مجموعة من الصحفيين عن (الرياضة المدهشة) التي كان يمارسها في أثيوبيا ملقياً قنابله من طائرته الخاصة على كتائب (الزن*وج)، وكانت كلمات (فيتوريو) بالضبط (مدهش.. مثل حزمة من الورد الأحمر كانت دماء الزنوج تنبثق إلى أعلى بعد انفجار القنبلة).
ثم دارت الأيام..
وانفجرت كثير من القنابل، ورأت إيطاليا حقيقة الحرب رأي العين عندما اكتسحها مونتغمري مثل إعصار خرافي لا يمكن إيقافه، ثم سقط موسوليني وبصقت العجائز فوق وجهه وحشون بطنه بالتبن.. وعاد الإمبراطور إلى بلاده.
أما الليبيون فقد مات كثير منهم دون أن يعرفوا أن الرجال الذين ذهبوا لقتالهم في أثيوبيا لا شأن لهم (بالمصوعي الكريه). ولعله من رحمة الله أن يدرك عباده بالموت قبل أن يكتشفوا كل أخطائهم.
ولكــنّ الجهل يبقى دائماً مهزلــة.

الصادق النيهوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى