تفسير الطبري

تفسير الطبري في تأويل قوله تعالى جل ثناؤه: قُلْ مَن كَانَ عَدُوًّا لِّجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلَىٰ قَلْبِكَ بِإِذْنِ اللَّهِ مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَهُدًى وَبُشْرَىٰ لِلْمُؤْمِنِينَ (97)

القول في تأويل قوله جل ثناؤه قُلْ مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلَى قَلْبِكَ بِإِذْنِ اللَّهِ
قال أبو جعفر: أجمع أهل العلم بالتأويل جميعا على أن هذه الآية نـزلت جوابا لليهود من بني إسرائيل, إذ زعموا أن جبريل عدو لهم, وأن ميكائيل ولي لهم. ثم اختلفوا في السبب الذي من أجله قالوا ذلك. فقال بعضهم: إنما كان سبب قيلهم ذلك، من أجل مناظرة جرت بينهم وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم في أمر نبوته.
* ذكر من قال ذلك:
1605 – حدثنا أبو كريب قال، حدثنا يونس بن بكير, (28) عن عبد الحميد بن بهرام, عن شهر بن حوشب, عن ابن عباس أنه قال: حضرت عصابة من اليهود رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا: يا أبا القاسم، حدثنا عن خلال نسألك عنهن، لا يعلمهن إلا نبي. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: سلوا عما شئتم, ولكن اجعلوا لي ذمة الله، وما أخذ يعقوب على بنيه، لئن أنا حدثتكم شيئا فعرفتموه، لتتابعُني على الإسلام. فقالوا: ذلك لك. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: سلوني عما شئتم. فقالوا: أخبرنا عن أربع خلال نسألك عنهن: أخبرنا، أي الطعام حرم إسرائيل على نفسه من قبل أن تنـزل التوراة؟ وأخبرنا كيف ماء المرأة وماء الرجل؟ وكيف يكون الذكر منه والأنثى؟ وأخبرنا بهذا النبي الأمي في النوم ومن وليه من الملائكة؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ” عليكم عهد الله لئن أنا أنبأتكم لتتابعني! فأعطوه ما شاء من عهد وميثاق. فقال: ” نشدتكم بالذي أنـزل التوراة على موسى، هل تعلمون أن إسرائيل مرض مرضا شديدا فطال سقمه منه, فنذر نذرا لئن عافاه الله من سقمه ليحرمن أحب الطعام والشراب إليه، وكان أحب الطعام إليه لحم الإبل – قال أبو جعفر: فيما أروي: (29) وأحب الشراب إليه ألبانها؟ فقالوا: اللهم نعم. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أشهد الله عليكم وأنشدكم بالله الذي لا إله إلا هو، الذي أنـزل التوراة على موسى, هل تعلمون أن ماء الرجل أبيض غليظ, وأن ماء المرأة أصفر رقيق, فأيهما علا كان له الولد والشبه بإذن الله, فإذا علا ماء الرجل ماء المرأة كان الولد ذكرا بإذن الله، وإذا علا ماء المرأة ماء الرجل كان الولد أنثى بإذن الله؟ قالوا: اللهم نعم. قال: اللهم اشهد! قال: وأنشدكم بالذي أنـزل التوراة على موسى, هل تعلمون أن هذا النبي الأمي تنام عيناه ولا ينام قلبه؟ قالوا: اللهم نعم! قال: اللهم اشهد! قالوا: أنت الآن تحدثنا من وليك من الملائكة، (30) فعندها نتابعك أو نفارقك. قال: فإن وليي جبريل, ولم يبعث الله نبيا قط إلا وهو وليه. قالوا: فعندها نفارقك, لو كان وليك سواه من الملائكة، تابعناك وصدقناك. قال: ” فما يمنعكم أن تصدقوه؟ قالوا: إنه عدونا. فأنـزل الله عز وجل: (من كان عدوا لجبريل فإنه نـزله على قلبك بإذن الله) إلى قوله كَأَنَّهُمْ لا يَعْلَمُونَ ، فعندها باءوا بغضب على غضب. (31)
1606 – حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة قال، حدثني محمد بن إسحاق قال، حدثني عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي الحسين -يعني المكي-, عن شهر بن حوشب الأشعري: أن نفرا من اليهود جاءوا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا: يا محمد، أخبرنا عن أربع نسألك عنهن، فإن فعلت اتبعناك وصدقناك وآمنا بك. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: عليكم بذلك عهد الله وميثاقه، لئن أنا أخبرتكم بذلك لتصدقني؟ قالوا: نعم. قال: فاسألوا عما بدا لكم. فقالوا: أخبرنا كيف يشبه الولد أمه، وإنما النطفة من الرجل؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أنشدكم بالله وبأيامه عند بني إسرائيل، هل تعلمون أن نطفة الرجل بيضاء غليظة, ونطفة المرأة صفراء رقيقة, فأيتهما علت صاحبتها كان لها الشبه؟ (32) نعم. قالوا: فأخبرنا كيف نومك؟ قال: أنشدكم بالله وبأيامه عند بني إسرائيل، هل تعلمون أن هذا النبي الأمي تنام عيناه ولا ينام قلبه؟ (33) قالوا: اللهم نعم. قال: اللهم اشهد! قالوا أخبرنا أي الطعام حرم إسرائيل على نفسه من قبل أن تنـزل التوراة؟ قال: هل تعلمون أنه كان أحب الطعام والشراب إليه ألبان الإبل ولحومها, وأنه اشتكى شكوى فعافاه الله منها, فحرم أحب الطعام والشراب إليه شكرا لله، فحرم على نفسه لحوم الإبل وألبانها؟ قالوا: اللهم نعم. قالوا: فأخبرنا عن الروح. قال: أنشدكم بالله وبأيامه عند بني إسرائيل, هل تعلمون أنه جبريل، (34) وهو الذي يأتيني؟ قالوا: نعم, ولكنه لنا عدو, وهو ملك إنما يأتي بالشدة وسفك الدماء, فلولا ذلك اتبعناك. فأنـزل الله فيهم: (قل من كان عدوا لجبريل فإنه نـزله على قلبك) إلى قوله كَأَنَّهُمْ لا يَعْلَمُونَ . (35)
1607 – حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج, عن ابن جريج قال، حدثني القاسم بن أبي بزة: أن يهود سألوا النبي صلى الله عليه وسلم: من صاحبه الذي ينـزل عليه بالوحي؟ فقال: جبريل. قالوا: فإنه لنا عدو ولا يأتي إلا بالحرب والشدة والقتال! فنـزل: (من كان عدوا لجبريل) الآية. قال ابن جريج: وقال مجاهد: قالت يهود: يا محمد، ما ينـزل جبريل إلا بشدة وحرب! وقالوا: إنه لنا عدو! (36) فنـزل: (من كان عدوا لجبريل) الآية. (37)
* * *
وقال آخرون: بل كان سبب قيلهم ذلك، من أجل مناظرة جرت بين عمر بن الخطاب رضي الله عنه وبينهم، في أمر النبي صلى الله عليه وسلم.
* ذكر من قال ذلك:
1608 – حدثني محمد بن المثنى قال، حدثنا ربعي بن علية, عن داود بن أبي هند, عن الشعبي, قال: نـزل عمر الروحاء, فرأى رجالا يبتدرون أحجارا يصلون إليها, فقال: ما هؤلاء؟ قالوا: يزعمون أن رسول الله صلى الله عليه وسلم صلى ههنا. فكره ذلك وقال: أيما؟ رسول الله صلى الله عليه وسلم أدركته الصلاة بواد فصلى، ثم ارتحل فتركه! (38) ثم أنشأ يحدثهم فقال: كنت أشهد اليهود يوم مدراسهم فأعجب من التوراة كيف تصدق الفرقان، ومن الفرقان كيف يصدق التوراة! فبينما أنا عندهم ذات يوم قالوا: يا ابن الخطاب، ما من أصحابك أحد أحب إلينا منك. قلت: ولم ذلك؟ قالوا: إنك تغشانا وتأتينا. قال: قلت إني آتيكم فأعجب من الفرقان كيف يصدق التوراة، ومن التوراة كيف تصدق الفرقان! قال: ومر رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا: يا ابن الخطاب، ذاك صاحبكم فالحق به. قال: فقلت لهم عند ذلك: أنشدكم بالله الذي لا إله إلا هو وما استرعاكم من حقه واستودعكم من كتابه, أتعلمون أنه رسول الله؟ قال: فسكتوا، قال: فقال عالمهم وكبيرهم: إنه قد عظم عليكم فأجيبوه. (39) قالوا: أنت عالمنا وسيدنا، فأجبه أنت. قال: أما إذ نشدتنا به, فإنا نعلم أنه رسول الله. قال: قلت: ويحكم! إذا هلكتم! (40) قالوا إنا لم نهلك. قال: قلت: كيف ذاك، وأنتم تعلمون أنه رسول الله صلى الله عليه وسلم, ثم لا تتبعونه ولا تصدقونه؟ قالوا: إن لدينا عدوا من الملائكة وسلما من الملائكة, وإنه قرن به عدونا من الملائكة. (41) قال: قلت: ومن عدوكم؟ ومن سلمكم؟ قالوا: عدونا جبريل، وسلمنا ميكائيل. قال: قلت: وفيم عاديتم جبريل؟ وفيم سالمتم ميكائيل؟ قالوا: إن جبريل ملك الفظاظة والغلظة والإعسار والتشديد والعذاب ونحو هذا, وإن ميكائيل ملك الرأفة والرحمة والتخفيف ونحو هذا. قال: قلت: وما منـزلتهما من ربهما؟ قالوا: أحدهما عن يمينه، والآخر عن يساره. قال: قلت: فوالله الذي لا إله إلا هو، إنهما والذي بينهما لعدو لمن عاداهما، وسلم لمن سالمهما, ما ينبغي لجبريل أن يسالم عدو ميكائيل, ولا لميكائيل أن يسالم عدو جبريل! قال: ثم قمت فاتبعت النبي صلى الله عليه وسلم, فلحقته وهو خارج من مخرفة لبني فلان، (42) فقال لي: يا ابن الخطاب، ألا أقرئك آيات نـزلن؟ فقرأ على: (قل من كان عدوا لجبريل فإنه نـزله على قلبك بإذن الله مصدقا لما بين يديه) حتى قرأ الآيات. قال: قلت: بأبي أنت وأمي يا رسول الله، (43) والذي بعثك بالحق لقد جئت وأنا أريد أن أخبرك الخبر، فأسمع اللطيف الخبير قد سبقني إليك بالخبر! (44)
1609 – حدثني يعقوب بن ابرهيم قال، حدثنا ابن علية, عن داود, عن الشعبي قال، قال عمر: كنت رجلا أغشى اليهود في يوم مدراسهم، ثم ذكر نحو حديث ربعي. (45)
1610 – حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد بن زريع قال، حدثنا سعيد, عن قتادة قال: ذكر لنا أن عمر بن الخطاب انطلق ذات يوم إلى اليهود, فلما أبصروه رحبوا به. فقال لهم عمر: أما والله ما جئت لحبكم ولا للرغبة فيكم, ولكن جئت لأسمع منكم. فسألهم وسألوه, فقالوا: من صاحب صاحبكم؟ فقال لهم: جبريل. فقالوا: ذاك عدونا من أهل السماء، يطلع محمدا على سرنا, وإذا جاء جاء بالحرب والسنة (46) ولكن صاحب صاحبنا ميكائيل, وكان إذا جاء جاء بالخصب وبالسلم, فقال لهم عمر: أفتعرفون جبريل وتنكرون محمدا؟ ففارقهم عمر عند ذلك، وتوجه نحو رسول الله صلى الله عليه وسلم ليحدثه حديثهم, فوجده قد أنـزل عليه هذه الآية: (قل من كان عدوا لجبريل فإنه نـزله على قلبك بإذن الله).
1611 – حدثني المثنى قال، حدثنا آدم قال، حدثنا أبو جعفر، عن قتادة قال: بلغنا أن عمر بن الخطاب أقبل على اليهود يوما، فذكر نحوه.
1612 – حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر, عن قتادة في قوله: (من كان عدوا لجبريل)، قال: قالت اليهود: إن جبريل هو عدونا، لأنه ينـزل بالشدة والحرب والسنة, وإن ميكائيل ينـزل بالرخاء والعافية والخصب, فجبريل عدونا. فقال الله جل ثناؤه: (من كان عدوا لجبريل).
1613 – حدثني موسى بن هارون قال، حدثنا عمرو بن حماد قال، حدثنا أسباط, عن السدي: (قل من كان عدوا لجبريل فإنه نـزله على قلبك بإذن الله مصدقا لما بين يديه)، قال: كان لعمر بن الخطاب أرض بأعلى المدينة, فكان يأتيها, وكان ممره على طريق مدراس اليهود, وكان كلما دخل عليهم سمع منهم. وإنه دخل عليهم ذات يوم فقالوا: يا عمر ما في أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم أحد أحب إلينا منك، إنهم يمرون بنا فيؤذوننا, وتمر بنا فلا تؤذينا, وإنا لنطمع فيك. فقال لهم عمر: أي يمين فيكم أعظم؟ قالوا: الرحمن الذي أنـزل التوراة على موسى بطور سيناء. فقال لهم عمر: فأنشدكم بالرحمن الذي أنـزل التوراة على موسى بطور سيناء، أتجدون محمدا صلى الله عليه وسلم عندكم؟ فأَسْكتوا. (47) فقال: تكلموا، ما شأنكم؟ فوالله ما سألتكم وأنا شاك في شيء من ديني. فنظر بعضهم إلى بعض, فقام رجل منهم فقال: أخبروا الرجل، لتخبرنه أو لأخبرنه. قالوا: نعم, إنا نجده مكتوبا عندنا، ولكن صاحبه من الملائكة الذي يأتيه بالوحي هو جبريل، وجبريل عدونا, وهو صاحب كل عذاب أو قتال أو خسف, ولو أنه كان وليه ميكائيل، إذًا لآمنا به, فإن ميكائيل صاحب كل رحمة وكل غيث. فقال لهم عمر: فأنشدكم بالرحمن الذي أنـزل التوراة على موسى بطور سيناء, أين مكان جبريل من الله؟ قالوا: جبريل عن يمينه, وميكائيل عن يساره. قال عمر: فأشهدكم أن الذي هو عدو للذي عن يمينه، عدو للذي هو عن يساره؛ والذي هو عدو للذي هو عن يساره؛ عدو للذي هو عن يمينه؛ وأنه من كان عدوهما، فانه عدو لله. ثم رجع عمر ليخبر النبي صلى الله عليه وسلم, فوجد جبريل قد سبقه بالوحي, فدعاه النبي صلى الله عليه وسلم فقرأ عليه, فقال عمر: والذي بعثك بالحق, لقد جئتك وما أريد إلا أن أخبرك! (48)
1614 – حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق بن الحجاج الرازي قال، حدثنا عبد الرحمن بن مغراء أبو زهير, عن مجالد, عن الشعبي قال: انطلق عمر إلى يهود فقال: إني أنشدكم بالذي أنـزل التوراة على موسى هل تجدون محمدا في كتابكم؟ قالوا: نعم. قال: فما يمنعكم أن تتبعوه؟ قالوا: إن الله لم يبعث رسولا إلا كان له كفل من الملائكة, وإن جبريل هو الذي يتكفل لمحمد, وهو عدونا من الملائكة, وميكائيل سلمنا، فلو كان هو الذي يأتيه اتبعناه. قال: فإني أنشدكم بالذي أنـزل التوراة على موسى, ما منـزلتهما من رب العالمين؟ قالوا: جبريل عن يمينه, وميكائيل عن جانبه الآخر. فقال: إني أشهد ما يقولان إلا بإذن الله, (49) وما كان لميكائيل أن يعادي سلم جبريل, وما كان جبريل ليسالم عدو ميكائيل. [فبينما هو عندهم]، إذ مر نبي الله صلى الله عليه وسلم, (50) فقالوا: هذا صاحبك يا ابن الخطاب. فقام إليه، فأتاه وقد أنـزل عليه: (من كان عدوا لجبريل فإنه نـزله على قلبك بإذن الله) إلى قوله: فَإِنَّ اللَّهَ عَدُوٌّ لِلْكَافِرِينَ . (51)
1615 – حدثني يعقوب بن إبراهيم قال، حدثنا هشيم قال، أخبرنا حصين بن عبد الرحمن, عن ابن أبي ليلى في قوله: (من كان عدوا لجبريل). قال: قالت اليهود للمسلمين: لو أن ميكائيل كان الذي ينـزل عليكم لتبعناكم, فإنه ينـزل بالرحمة والغيث, وإن جبريل ينـزل بالعذاب والنقمة، وهو لنا عدو. قال: فنـزلت هذه الآية: (من كان عدوا لجبريل).
1616 – حدثني يعقوب قال، حدثنا هشيم قال، أخبرنا عبد الملك, عن عطاء بنحو ذلك.
* * *
قال أبو جعفر: وأما تأويل الآية – أعني قوله: (قل من كان عدوا لجبريل فإنه نـزله على قلبك بإذن الله) – فهو: أن الله يقول لنبيه: قل يا محمد – لمعاشر اليهود من بني إسرائيل، الذين زعموا أن جبريل لهم عدو، من أجل أنه صاحب سطوات وعذاب وعقوبات، لا صاحب وحي وتنـزيل ورحمة, فأبوا اتباعك، وجحدوا نبوتك, وأنكروا ما جئتهم به من آياتي وبينات حكمي، من أجل أن جبريل وليك وصاحب وحيي إليك, وزعموا أنه عدو لهم -: من يكن من الناس لجبريل عدوا، ومنكرا أن يكون صاحب وحي الله إلى أنبيائه، وصاحب رحمته، فإني له ولي وخليل, ومقر بأنه صاحب وحي إلى أنبيائه ورسله, وأنه هو الذي ينـزل وحي الله على قلبي من عند ربي، بإذن ربي له بذلك، يربط به على قلبي، ويشد فؤادي، كما:-
1617 – حدثنا أبو كريب قال، حدثنا عثمان بن سعيد قال، حدثنا بشر بن عمارة, عن أبي روق, عن الضحاك, عن ابن عباس في قوله: (قل من كان عدوا لجبريل)، قال: وذلك أن اليهود قالت – حين سألت محمدا صلى الله عليه وسلم عن أشياء كثيرة, فأخبرهم بها على ما هي عندهم -” إلا جبريل “, فإن جبريل كان عند اليهود صاحب عذاب وسطوة, ولم يكن عندهم صاحب وحي – يعني: تنـزيل من الله على رسله – ولا صاحب رحمة، فأخبرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما سألوه عنه: أن جبريل صاحب وحي الله, وصاحب نقمته. وصاحب رحمته، فقالوا: ليس بصاحب وحي ولا رحمة، هو لنا عدو! فأنـزل الله عز وجل إكذابا لهم: (قل) يا محمد: (من كان عدوا لجبريل فإنه نـزله على قلبك)، يقول: فإن جبريل نـزله. يقول: نـزل القرآن – بأمر الله يشد به فؤادك، ويربط به على قلبك “, يعني: بوحينا الذي نـزل به جبريل عليك من عند الله- وكذلك يفعل بالمرسلين والأنبياء من قبلك.
1618 – حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد, عن قتادة قوله: (قل من كان عدوا لجبريل فإنه نـزله على قلبك بإذن الله)، يقول: أنـزل الكتاب على قلبك بإذن الله.
1619 – وحدثت عن عمار قال، حدثنا ابن أبي جعفر, عن أبيه, عن الربيع: (فإنه نـزله على قلبك)، يقول: نـزل الكتاب على قليك جبريل.
* * *
قال أبو جعفر: وإنما قال جل ثناؤه: (فإنه نـزله على قلبك) – وهو يعني بذلك قلب محمد صلى الله عليه وسلم, وقد أمر محمدا في أول الآية أن يخبر اليهود بذلك عن نفسه – ولم يقل: فإنه نـزله على قلبي = ولو قيل: ” على قلبي” كان صوابا من القول = لأن من شأن العرب إذا أمرت رجلا أن يحكي ما قيل له عن نفسه، أن تخرج فعل المأمور مرة مضافا إلى كناية نفس المخبر عن نفسه, إذ كان المخبر عن نفسه؛ ومرة مضافا إلى اسمه، كهيئة كناية اسم المخاطب لأنه به مخاطب. فتقول في نظير ذلك: ” قل للقوم إن الخير عندي كثير ” – فتخرج كناية اسم المخبر عن نفسه، لأنه المأمور أن يخبر بذلك عن نفسه-: و ” قل للقوم إن الخير عندك كثير ” – فتخرج كناية اسمه كهيئة كناية اسم المخاطب، لأنه وإن كان مأمورا بقيل ذلك، فهو مخاطب مأمور بحكاية ما قيل له. وكذلك: ” لا تقل للقوم إني قائم ” و ” لا تقل لهم إنك قائم “, و ” الياء ” من ” إني” اسم المأمور بقول ذلك، على ما وصفنا. ومن ذلك قول الله عز وجل: قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا سَتُغْلَبُونَ و (تغلبون) [آل عمران: 12]، بالياء والتاء. (52)
* * *
وأما ” جبريل ” فإن للعرب فيه لغات. فأما أهل الحجاز فإنهم يقولون ” جبريل، وميكال ” بغير همز، بكسر الجيم والراء من ” جبريل ” وبالتخفيف. وعلى القراءة بذلك عامة قَرَأَة أهل المدينة والبصرة.
أما تميم وقيس وبعض نجد فيقولون: ” جَبرئيل وميكائيل ” على مثال ” جبرعيل وميكاعيل “، بفتح الجيم والراء، وبهمز، وزيادة ياء بعد الهمزة. وعلى القراءة بذلك عامة قَرَأَة أهل الكوفة, كما قال جرير بن عطية:
عبــدوا الصليـب وكذبـوا بمحـمد
وبجَــــبرَئيل وكذبــــوا ميكــــالا (53)
وقد ذكر عن الحسن البصري وعبد الله بن كثير أنهما كانا يقرآن: ” جبريل ” بفتح الجيم. وترك الهمز.
قال أبو جعفر: وهي قراءة غير جائزةٍ القراءةُ بها, لأن ” فعليل ” في كلام العرب غير موجود. (54) وقد اختار ذلك بعضهم, وزعم أنه اسم أعجمي، كما يقال: ” سمويل “, وأنشد في ذلك: (55)
بحـيث لـو وزنـت لخـم بأجمعهـا
مـا وازنـت ريشــة مـن ريش سـمويلا (56)
وأما بنو أسد فإنها تقول ” جِبرين ” بالنون. وقد حكي عن بعض العرب أنها تزيد في” جبريل “” ألفا ” فتقول: جبراييل وميكاييل.
وقد حكي عن يحيى بن يعمر أنه كان يقرأ: ” جَبْرَئِلّ” بفتح الجيم، والهمز، وترك المد، وتشديد اللام.
فأما ” جبر ” و ” ميك “، فإنهما الاسمان اللذان أحدهما بمعنى: ” عبد “، والآخر بمعنى: ” عبيد “.
* * *
وأما ” إيل ” فهو الله تعالى ذكره، كما:-
1620 – حدثنا أبو كريب قال، حدثنا جرير بن نوح الحماني, عن الأعمش, عن المنهال, عن سعيد بن جبير قال، قال ابن عباس: ” جبريل ” و ” ميكائيل “، كقولك: عبد الله.
1621 – حدثنا ابن حميد قال، حدثنا يحيى بن واضح قال، حدثنا الحسين بن واقد, عن يزيد النحوي, عن عكرمة, عن ابن عباس قال: ” جبريل ” عبد الله؛ و ” ميكائيل “، عبيد الله. وكل اسم ” إيل ” فهو: الله.
1622 – حدثنا ابن حميد قال، حدثنا جرير, عن الأعمش, عن إسماعيل بن رجاء, عن عمير مولى ابن عباس: أن ” إسرائيل، وميكائيل وجبريل، وإسرافيل ” كقولك: عبد الله.
1623 – حدثنا ابن حميد قال، حدثنا جرير, عن الأعمش, عن المنهال بن عمرو, عن عبد الله بن الحارث قال: ” إيل “، الله، بالعبرانية.
1624 – حدثنا الحسين بن يزيد الضحاك قال، حدثنا إسحاق بن منصور قال، حدثنا قيس, عن عاصم, عن عكرمة، قال: ” جبريل ” اسمه: عبد الله؛ و ” ميكائيل ” اسمه: عبيد الله.” إيل “: الله.
1625 – حدثني الحسين بن عمرو بن محمد العنقزي قال، حدثنا أبو أحمد الزبيري قال، حدثنا سفيان, عن محمد بن عمرو بن عطاء, عن علي بن حسين قال: اسم ” جبريل ” عبد الله, واسم ” ميكائيل ” عبيد الله, واسم ” إسرافيل “: عبد الرحمن. وكل معبد،” إيل “، فهو عبد الله. (57)
1626 – حدثنا المثنى قال، حدثنا قبيصة بن عقبة قال، حدثنا سفيان, عن محمد المدني – قال المثنى: قال قبيصة: أراه محمد بن إسحاق – عن محمد بن عمرو بن عطاء, عن علي بن حسين, قال: ما تعدون ” جبريل ” في أسمائكم؟ قال: ” جبريل ” عبد الله, و ” ميكائيل ” عبيد الله. وكل اسم فيه ” إيل “، فهو مُعَبَّدٌ لله.
1627 – حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة, عن ابن إسحاق, عن محمد بن عمرو بن عطاء, عن علي بن حسين قال: قال لي: هل تدري ما اسم ” جبريل ” من أسمائكم؟ قلت: لا. قال: عبد الله. قال: فهل تدري ما اسم ” ميكائيل ” من أسمائكم؟ قلت: لا. (58) قال: عبيد الله. وقد سمى لي” إسرائيل ” باسم نحو ذلك فنسيته, إلا أنه قد قال لي: أرأيت، كل اسم يرجع إلى ” إيل ” فهو معبد له.
1628 – حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبي, عن سفيان, عن خصيف, عن عكرمة في قوله: (جبريل) قال: ” جبر ” عبد,” إيل ” الله, و ” ميكا ” قال: عبد.” إيل “: الله. (59)
* * *
قال أبو جعفر: فهذا تأويل من قرأ ” جبرئيل ” بالفتح، والهمز، والمد. وهو -إن شاء الله- معنى من قرأ بالكسر، وترك الهمز.
وأما تأويل من قرأ ذلك بالهمز، وترك المد، وتشديد اللام, فإنه قصد بقوله ذلك كذلك، إلى إضافة ” جبر ” و ” ميكا ” إلى اسم الله الذي يسمى به بلسان العرب دون السرياني والعبراني. وذلك أن ” الإلّ” بلسان العرب: الله، كما قال: لا يَرْقُبُونَ فِي مُؤْمِنٍ إِلا وَلا ذِمَّةً [التوبة: 10]. فقال جماعة من أهل العلم: ” الإل ” هو الله. ومنه قول أبي بكر الصديق رضي الله عنه – لوفد بني حنيفة، حين سألهم عما كان مسيلمة يقول, فأخبروه – فقال لهم: ويحكم ” أين ذهب بكم؟ والله, إن هذا الكلام ما خرج من إل ولا بر. يعني” من إل “: من الله وقد:-
1629 – حدثني يعقوب بن إبراهيم قال، حدثنا ابن علية, عن سليمان التيمي, عن أبي مجلز في قوله: لا يَرْقُبُونَ فِي مُؤْمِنٍ إِلا وَلا ذِمَّةً قال: قول ” جبريل ” و ” ميكائيل ” و ” إسرافيل “.
كأنه يقول: حين يضيف ” جبر ” و ” ميكا ” و ” إسرا ” إلى ” إيل ” يقول: عبد الله. (60) لا يَرْقُبُونَ فِي مُؤْمِنٍ إِلا ، كأنه يقول: لا يرقبون الله عز وجل.
* * *
القول في تأويل قوله تعالى : مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ
قال أبو جعفر: يعني جل ثناؤه بقوله: (مصدقا لما بين يديه)، القرآن. ونصب ” مصدقا ” على القطع من ” الهاء ” التي في قوله: نَـزَّلَهُ عَلَى قَلْبِكَ . (61)
فمعنى الكلام: فإن جبريل نـزل القرآن على قلبك، يا محمد، مصدقا لما بين يدي القرآن. يعني بذلك: مصدقا لما سلف من كتب الله أمامه, ونـزلت على رسله الذين كانوا قبل محمد صلى الله عليه وسلم. وتصديقه إياها، موافقة معانيه معانيها في الأمر باتباع محمد صلى الله عليه وسلم وما جاء به من عند الله, وهي تصدقه. (62) كما:-
1630 – حدثنا أبو كريب قال، حدثنا عثمان بن سعيد قال، حدثنا بشر بن عمارة, عن أبي روق عن الضحاك, عن ابن عباس.(مصدقا لما بين يديه)، يقول: لما قبله من الكتب التي أنـزلها الله، والآيات، والرسل الذين بعثهم الله بالآيات، نحو موسى ونوح وهود وشعيب وصالح، وأشباههم من الرسل صلى الله عليهم.
1631 – حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد بن زريع قال، حدثنا سعيد, عن قتادة: (مصدقا لما بين يديه)، من التوراة والإنجيل.
1632 – حُدثت عن عمار قال، حدثنا ابن أبي جعفر, عن أبيه, عن الربيع مثله.
* * *
القول في تأويل قوله تعالى : وَهُدًى وَبُشْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ (97)
قال أبو جعفر: يعني بقوله جل ثناؤه: (وهدى) ودليل وبرهان. وإنما سماه الله جل ثناؤه ” هدى “، لاهتداء المؤمن به. و ” اهتداؤه به ” اتخاذه إياه هاديا يتبعه، وقائدا ينقاد لأمره ونهيه وحلاله وحرامه. و ” الهادي” من كل شيء: ما تقدم أمامه. ومن ذلك قيل لأوائل الخيل: ” هواديها “, وهو ما تقدم أمامها, وكذلك قيل للعنق: ” الهادي”, لتقدمها أمام سائر الجسد. (63)
* * *
وأما ” البشرى ” فإنها البشارة. أخبر الله عباده المؤمنين جل ثناؤه، أن القرآن لهم بشرى منه، لأنه أعلمهم بما أعد لهم من الكرامة عنده في جناته, وما هم إليه صائرون في معادهم من ثوابه، وذلك هو ” البشرى ” التي بشر الله بها المؤمنين في كتابه. لأن البشارة في كلام العرب، هي: إعلام الرجل بما لم يكن به عالما مما يسره من الخبر، قبل أن يسمعه من غيره، أو يعلمه من قبل غيره. (64)
وقد روي في ذلك عن قتادة قول قريب المعنى مما قلناه:
1633 – حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد, عن قتادة قوله: (هدى وبشرى للمؤمنين)، لأن المؤمن إذا سمع القرآن حفظه ووعاه، وانتفع به واطمأن إليه، وصدق بموعود الله الذي وعد فيه, وكان على يقين من ذلك.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق