تفسير الطبري

تفسير الطبري في تأويل قوله تعالى جل ثناؤه: وَقَالُوا كُونُوا هُودًا أَوْ نَصَارَىٰ تَهْتَدُوا ۗ قُلْ بَلْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا ۖ وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (135)

القول في تأويل قوله تعالى : وَقَالُوا كُونُوا هُودًا أَوْ نَصَارَى تَهْتَدُوا
قال أبو جعفر: يعني تعالى ذكره بقوله: ” وقالوا كونوا هودا أو نصارى تهتدوا “، وقالت اليهود لمحمد صلى الله عليه وسلم وأصحابه من المؤمنين: كونوا هودا تهتدوا؛ وقالت النصارى لهم: كونوا نصارى تهتدوا.
* * *
تعني بقولها: ” تهتدوا “، أي تصيبوا طريق الحق، (1) . كما:-
2090- حدثنا أبو كريب قال: حدثنا يونس بن بكير – وحدثنا ابن حميد قال: حدثنا سلمة – جميعا, عن ابن إسحاق, قال: حدثني محمد بن أبي محمد مولى زيد بن ثابت قال: حدثني سعيد بن جبير، أو عكرمة, عن ابن عباس قال: قال عبد الله بن صوريا الأعور لرسول الله صلى الله عليه وسلم: ما الهدى إلا ما نحن عليه! فاتبعنا يا محمد تهتد! وقالت النصارى مثل ذلك. فأنـزل الله عز وجل فيهم: ” وقالوا كونوا هودا أو نصارى تهتدوا قل بل ملة إبراهيم حنيفا وما كان من المشركين “. (2)
* * *
قال أبو جعفر: احتج الله لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم أبلغ حجة وأوجزها وأكملها, وعلمها محمدا نبيه صلى الله عليه وسلم فقال: يا محمد، قل – للقائلين لك من اليهود والنصارى ولأصحابك: ” كونوا هودا أو نصارى تهتدوا ” -: بل تعالوا نتبع ملة إبراهيم التي يجمع جميعنا على الشهادة لها بأنها دين الله الذي ارتضاه واجتباه (3) وأمر به -فإن دينه كان الحنيفية المسلمة- وندع سائر الملل التي نختلف فيها، فينكرها بعضنا، ويقر بها بعضنا. فإن ذلك -على اختلافه- لا سبيل لنا على الاجتماع عليه، كما لنا السبيل إلى الاجتماع على ملة إبراهيم.
* * *
وفي نصب قوله: بَلْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ أوجه ثلاثة. أحدها: أن يوجه معنى قوله: ” وقالوا كونوا هودا أو نصارى “، إلى معنى: وقالوا اتبعوا اليهودية والنصرانية. لأنهم إذ قالوا: ” كونوا هودا أو نصارى “، إلى اليهودية والنصرانية دعوهم, ثم يعطف على ذلك المعنى بالملة. فيكون معنى الكلام حينئذ: قل يا محمد، لا نتبع اليهودية والنصرانية, ولا نتخذها ملة, بل نتبع ملة إبراهيم حنيفا, ثم يحذف ” نتبع ” الثانية, ويعطف ب ” الملة ” على إعراب اليهودية والنصرانية.
والآخر: أن يكون نصبه بفعل مضمر بمعنى ” نتبع ”
والثالث: أن يكون أريد: بل نكون أصحاب ملة إبراهيم, أو أهل ملة إبراهيم. ثم حذف ” الأهل ” و ” الأصحاب “, وأقيمت ” الملة ” مقامهم, إذ كانت مؤدية عن معنى الكلام، (4) كما قال الشاعر: (5)
حســبت بغــام راحـلتي عناقـا!
ومـا هــي, ويـب غــيرك, بالعناق (6)
يعني: صوت عناق, فتكون ” الملة ” حينئذ منصوبة، عطفا في الإعراب على ” اليهود والنصارى “.
* * *
وقد يجوز أن يكون منصوبا على وجه الإغراء, باتباع ملة إبراهيم. (7)
وقرأ بعض القراء ذلك رفعا, فتأويله – على قراءة من قرأ رفعا: بل الهدى ملة إبراهيم.
* * *
القول في تأويل قوله تعالى : قُلْ بَلْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (135)
قال أبو جعفر: و ” الملة “، الدين
* * *
وأما ” الحنيف “، فإنه المستقيم من كل شيء. وقد قيل: إن الرجل الذي تقبل إحدى قدميه على الأخرى، إنما قيل له ” أحنف “، نظرا له إلى السلامة, كما قيل للمهلكة من البلاد ” المفازة “, بمعنى الفوز بالنجاة منها والسلامة، وكما قيل للديغ: ” السليم “, تفاؤلا له بالسلامة من الهلاك, وما أشبه ذلك.
* * *
فمعنى الكلام إذا: قل يا محمد، بل نتبع ملة إبراهيم مستقيما.
فيكون ” الحنيف ” حينئذ حالا من ” إبراهيم ”
* * *
وأما أهل التأويل فإنهم اختلفوا في تأويل ذلك. فقال بعضهم: ” الحنيف ” الحاج. وقيل: إنما سمي دين إبراهيم الإسلام ” الحنيفية “، لأنه أول إمام لزم العباد -الذين كانوا في عصره، والذين جاءوا بعده إلى يوم القيامة- اتباعه في مناسك الحج, والائتمام به فيه. قالوا: فكل من حج البيت فنسك مناسك إبراهيم على ملته, فهو ” حنيف “، مسلم على دين إبراهيم.
ذكر من قال ذلك:
2091- حدثنا محمد بن بشار قال: حدثنا عبد الرحمن بن مهدي قال: حدثنا القاسم بن الفضل, عن كثير أبي سهل, قال: سألت الحسن عن ” الحنيفية “, قال: حج البيت.
2092- حدثني محمد بن عبادة الأسدي قال: حدثنا عبد الله بن موسى قال: أخبرنا فضيل, عن عطية في قوله: ” حنيفا ” قال الحنيف: الحاج. (8)
2093- حدثني الحسين بن علي الصدائي قال: حدثنا أبي, عن الفضيل, عن عطية مثله. (9)
2094- حدثنا ابن حميد قال: حدثنا حكام بن سلم، (10) عن عنبسة, عن محمد بن عبد الرحمن, عن القاسم بن أبي بزة, عن مجاهد قال: الحنيف الحاج.
2095- حدثني الحسن بن يحيى قال: أخبرنا عبد الرزاق قال: أخبرنا ابن التيمي, عن كثير بن زياد قال: سألت الحسن عن ” الحنيفية “, قال: هو حج هذا البيت.
قال ابن التيمي: وأخبرني جويبر, عن الضحاك بن مزاحم، مثله. (11)
2096- حدثنا ابن بشار قال: حدثنا ابن مهدي قال: حدثنا سفيان, عن السدي, عن مجاهد: ” حنفاء ” قال: حجاجا. (12)
2097- حدثني المثنى قال: حدثنا عبد الله بن صالح قال: حدثني معاوية بن صالح, عن علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس قوله: ” حنيفا ” قال: حاجا.
2098- حدثت عن وكيع, عن فضيل بن غزوان، عن عبد الله بن القاسم قال: كان الناس من مضر يحجون البيت في الجاهلية يسمون ” حنفاء “, فأنـزل الله تعالى ذكره حُنَفَاءَ لِلَّهِ غَيْرَ مُشْرِكِينَ بِهِ . [سورة الحج: 31] * * *
وقال آخرون: ” الحنيف “، المتبع, كما وصفنا قبل، من قول الذين قالوا: إن معناه: الاستقامة.
ذكر من قال ذلك:
2099- حدثنا محمد بن بشار قال: حدثنا عبد الرحمن قال: حدثنا سفيان, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد: ” حنفاء ” قال: متبعين.
* * *
وقال آخرون: إنما سمي دين إبراهيم ” الحنيفية “, لأنه أول إمام سن للعباد الختان, فاتبعه من بعده عليه. قالوا: فكل من اختثن على سبيل اختتان إبراهيم, فهو على ما كان عليه إبراهيم من الإسلام, فهو ” حنيف ” على ملة إبراهيم. (13)
وقال آخرون: ” بل ملة إبراهيم حنيفا “, بل ملة إبراهيم مخلصا.” فالحنيف ” على قولهم: المخلص دينه لله وحده.
ذكر من قال ذلك:
2100- حدثنا محمد بن الحسين قال: حدثنا أحمد بن المفضل قال: حدثنا أسباط, عن السدي: وَاتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا ، يقول: مخلصا.
* * *
وقال آخرون: بل ” الحنيفية ” الإسلام. فكل من ائتم بإبراهيم في ملته فاستقام عليها، فهو ” حنيف “.
* * *
قال أبو جعفر: ” الحنف ” عندي، هو الاستقامة على دين إبراهيم، واتباعه على ملته. (14) . وذلك أن الحنيفية لو كانت حج البيت, لوجب أن يكون الذين كانوا يحجونه في الجاهلية من أهل الشرك كانوا حنفاء. وقد نفى الله أن يكون ذلك تحنفا بقوله: وَلَكِنْ كَانَ حَنِيفًا مُسْلِمًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ [سورة آل عمران: 67] فكذلك القول في الختان. لأن ” الحنيفية ” لو كانت هي الختان، لوجب أن يكون اليهود حُنفاء. وقد أخرجهم الله من ذلك بقوله: مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلا نَصْرَانِيًّا وَلَكِنْ كَانَ حَنِيفًا مُسْلِمًا [سورة آل عمران: 67].
فقد صحّ إذًا أن ” الحنيفية ” ليست الختانَ وحدَه, ولا حجَّ البيت وحده, ولكنه هو ما وصفنا: من الاستقامة على ملة إبراهيم، واتباعه عليها، والائتمام به فيها.
* * *
فإن قال قائل: أوَما كان مَنْ كان من قبل إبراهيم صلى الله عليه وسلم، من الأنبياء وأتباعهم، مستقيمين على ما أمروا به من طاعة الله استقامةَ إبراهيم وأتباعه؟
قيل: بَلى.
فإن قال: فكيف أضيف ” الحنيفية ” إلى إبراهيم وأتباعه على ملته خاصة، دون سائر الأنبياء قبله وأتباعهم؟
قيل: إنّ كل من كان قبل إبراهيم من الأنبياء كان حنيفًا متّبعًا طاعة الله, ولكن الله تعالى ذكره لم يجعل أحدًا منهم إمامًا لمن بعده من عباده إلى قيام الساعة, كالذي فعل من ذلك بإبراهيم, فجعله إمامًا فيما بيّنه من مناسك الحج والختان, وغير ذلك من شرائع الإسلام, تعبُّدًا به أبدًا إلى قيام الساعة. وجعل ما سنّ من ذلك عَلَمًا مميّزًا بين مؤمني عباده وكفارهم، والمطيعِ منهم له والعاصي. فسمِّي الحنيفُ من الناس ” حنيفًا ” باتباعه ملته، واستقامته على هديه ومنهاجه, وسُمِّي الضالُّ من ملته بسائر أسماء الملل, فقيل: ” يهودي، ونصرانيّ، ومجوسيّ”, وغير ذلك من صنوف الملل
* * *
وأما قوله: ” وما كانَ مِن المشركين “، يقول: إنه لم يكن ممن يدين بعبادة الأوثان والأصنام، ولا كان من اليهود ولا من النصارى, بل كان حنيفًا مسلمًا.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق