تفسير الطبري

تفسير الطبري في تأويل قوله تعالى جل ثناؤه: قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنزِلَ إِلَىٰ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَىٰ وَعِيسَىٰ وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِن رَّبِّهِمْ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ (136)

القول في تأويل قوله تعالى : قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ (136)
قال أبو جعفر: يعني تعالى ذكره بذلك: ” قولوا ” -أيها المؤمنون، لهؤلاء اليهودِ والنصارَى، الذين قالوا لكم: كُونُوا هُودًا أَوْ نَصَارَى تَهْتَدُوا -: “آمنا “, أي صدَّقنا بالله .

وقد دللنا فيما مضى أنّ معنى ” الإيمان “، التصديقُ، بما أغنى عن إعادته. (15) .
* * *

” وما أنـزل إلينا “، يقول أيضًا: صدّقنا بالكتاب الذي أنـزل الله إلى نبيّنا محمد صلى الله عليه وسلم. فأضاف الخطاب بالتنـزيل إليهم، إذ كانوا متّبعيه، ومأمورين منهيين به. فكان – وإنْ كان تنـزيلا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم – بمعنى التنـزيل إليهم، للذي لهم فيه من المعاني التي وصفتُ
* * *

ويعني بقوله: ” ومَا أنـزل إلى إبراهيم “، صدَّقنا أيضًا وآمنا بما أنـزل إلى إبراهيم وإسماعيلَ وإسحاقَ ويعقوبَ والأسباط , وهم الأنبياء من ولد يَعقوب.
* * *

وقوله: ” ومَا أوتي مُوسَى وعيسى “، يعني: وآمنا أيضًا بالتوراة التي آتاها الله موسى, وبالإنجيل الذي آتاه الله عيسى, والكتب التي آتى النبيين كلهم, وأقرَرنا وصدّقنا أن ذلك كله حَق وهُدى ونور من عند الله، وأن جَميع من ذكر الله من أنبيائه كانوا على حق وهدى، يُصدِّق بعضهم بعضًا، على منهاج واحد في الدعاء إلى توحيد الله، والعمل بطاعته,” لا نُفرِّق بَينَ أحد منهم “، يقول: لا نؤمن ببعض الأنبياء ونكفر ببعض, ونتبرَّأ من بعضٍ ونتولى بعضًا, كما تبرأت اليهودُ من عيسى ومحمد عليهما السلام وأقرّت بغيرهما من الأنبياء, وكما تبرأت النصارَى من محمد صلى الله عليه وسلم وأقرّت بغيره من الأنبياء، بل نشهد لجميعهم أنّهم كانوا رسلَ الله وأنبياءَه, بعثوا بالحق والهدى.
* * *

وأما قوله: ” ونحنُ لَهُ مُسلمون “، فإنه يعني تعالى ذكره: ونحنُ له خاضعون بالطاعة, مذعنون له بالعبودية. (16)

* * *
فذُكر أنّ نبيّ الله صلى الله عليه وسلم قال ذلك لليهود, فكفروا بعيسى وبمن يؤمن به، كما:-
2101- حدثنا أبو كريب قال: حدثنا يونس بن بكير قال: حدثنا محمد بن إسحاق قال: حدثني محمد بن أبي محمد مولى زيد بن ثابت قال: حدثني سعيد بن جبير، أو عكرمة, عن ابن عباس قال: أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم نَفرٌمن يهود، فيهم أبو ياسر بن أخطب، (17) ورافع بن أبي رافع، وعازر، وخالد، وزيد، وأزار بن أبي أزار، وأشْيَع, فسألوه عمن يؤمن به من الرسل فقال: أومن بالله وَمَا أنـزلَ إلينا وما أنـزلَ إلى إبرَاهيمَ وإسماعيل وإسحاقَ ويعقوب والأسباط, ومَا أوتي مُوسى وعيسى وَمَا أوتي النبيون من رَبهم لا نُفرّق بين أحد منهم ونحن له مُسلمون. فلما ذكر عيسى جحدوا نبوته، وقالوا: لا نؤمن بعيسى, ولا نؤمن بمن آمن به. فأنـزل الله فيهم: قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ هَلْ تَنْقِمُونَ مِنَّا إِلا أَنْ آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْـزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنْـزِلَ مِنْ قَبْلُ وَأَنَّ أَكْثَرَكُمْ فَاسِقُونَ (18) [سورة المائدة:59]

2102- حدثنا ابن حميد قال: حدثنا سلمة قال: حدثنا محمد بن إسحاق قال: حدثني محمد بن أبي محمد, عن عكرمة، أو عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس. قال: أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم, فذكر نحوه – إلا أنه قال: ” ونافع بن أبي نافع ” مكانَ” رافع بن أبي رافع ” (19) .
* * *

وقال قتادة: أنـزلتْ هذه الآية، أمرًا من الله تعالى ذكره للمؤمنين بتصديق رُسله كلهم.
2103- حدثنا بشر بن معاذ قال: حدثنا يزيد قال: حدثنا سعيد, عن قتادة: ” قُولُوا آمنا بالله وما أنـزل إلينا وما أنـزل إلى إبراهيم ” إلى قوله: ” ونَحنُ له مسلمون “، أمر الله المؤمنين أن يؤمنوا ويصدقوا بأنبيائه ورسله كلهم, ولا يفرِّقوا بين أحد منهم.

* * *

وأما ” الأسباط” الذين ذكرهم، فهم اثنا عشر رَجلا من ولد يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم. وَلَد كل رجل منهم أمّة من الناس, فسموا ” أسباطًا ” (20) . كما:-

2104- حدثنا بشر بن معاذ قال: حدثنا يزيد قال: حدثنا سعيد، عن قتادة قال: الأسباط، يوسفُ وإخوته، بنو يَعقوب. ولد اثني عشر رجلا فولد كل رجل منهم أمَّة من الناس, فسموا: ” أسباطا “.

2105- حدثني موسى قال: حدثنا عمرو قال: حدثنا أسباط, عن السدي: أما الأسباط، فهم بنو يعقوب: يوسُف, وبنيامين, ورُوبيل, ويهوذا, وشَمعون, ولاوِي, ودَان, وقهاث. (21) .

2106- حدثني المثنى قال: حدثنا إسحاق قال: حدثنا ابن أبي جعفر, عن أبيه, عن الربيع, قال: ” الأسباط” يوسف وإخوته بنو يعقوب، اثنا عشر رجلا فولد لكل رجل منهم أمّة من الناس, فسموا ” الأسباط”.

2107- حدثنا ابن حميد قال: حدثنا سلمة قال: حدثني محمد بن إسحاق قال (22) نكح يَعقوب بن إسحاق -وهو إسرائيل- ابنة خاله ” ليا ” ابنة ” ليان بن توبيل بن إلياس “، (23) فولدت له ” روبيل بن يعقوب “، (24) وكان أكبر ولده, و ” شمعون بن يعقوب “, و ” لاوي بن يعقوب ” و ” يهوذا بن يعقوب ” و ” ريالون بن يعقوب “، (25) و ” يشجر بن يعقوب “، (26) و ” دينة بنت يعقوب “، ثم توفيت ” ليا بنت ليان “. (27) فخلف يعقوب على أختها ” راحيل بنت ليان بن توبيل بن إلياس ” (28) فولدت له ” يوسف بن يعقوب ” و ” بنيامين ” -وهو بالعربية أسد- وولد له من سُرِّيتين له: اسم إحداهما ” زلفة “, واسم الأخرى ” بلهية “، (29) أربعة نفر: ” دان بن يعقوب “, و ” نَفثالي بن يعقوب ” و ” جَاد بن يعقوب “, و ” إشرب بن يعقوب ” (30) فكان بنو يعقوب اثني عشرَ رجلا نشر الله منهم اثنَى عشر سبطًا، لا يُحصى عددَهم ولا يعلم أنسابَهم إلا الله, يقول الله تعالى: وَقَطَّعْنَاهُمُ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ أَسْبَاطًا أُمَمًا . [سورة الأعراف: 160]

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق