تراث

قصة من التراث.. صـرة النجـع

بقلم الباحث: محمد خليفة نائل

هذه حكاية من التراث الليبي حاولت معالجتها أدبياً ليسهل فهمها .. لها مكانة خاصة لدي ، حيث أرتبطت إحدى المنظومات الشعرية الواردة بها بموقف معين جمعني بإنسان عظيم .

يُحكى أن أحد الرجال كان يعيش وأسرته في نجع من نجوع البوادي ، وسط أهله في يسر وهناء ، و في سعة من الحال بما يملك من إبل ، حدث وأن أختلف مع أحد من أهله على أمر ما .. وشعر أنه لم ينصف عند التحكيم !! حز الأمر في نفسه ..وتأثر له كثيراً .. إلى الحد الذي جعله يتخذ قراراً بالرحيل عن ” النجع ” !! ، رغم ما ينطوي عليه هذا القرار من خطورة بالغة .. فالصحراء مليئة بقطاع الطرق واللصوص ، حاول بعض أقاربه ثنيه عن قراره .. لكن دون جدوى ! فقد أستبد به الغضب إلى الحد الذي لم تستطع زوجته وولداه وبنته مجرد مناقشته في الأمر ..


جمع إبله وأرتحل عن ” النجع ” صحبة أسرته على غير هدى .. متوخيا الابتعاد ما أمكن عن الأماكن الخطرة ..وكان خبيراً بالصحراء ودروبها وبمعرفة مناطق الرعي الجيدة ..وبعد طول مسير سلك خلاله طرق وعرة لا أثر فيها .. حط الرحال في أرض نائية لم يسبق أن داستها قدم .. ذات مرعى خصب تتوفر فيه أحسن النباتات التي تقتاتها الإبل .. أستبشرت الأسرة بالمكان وطاب لها المقام .. وعاش الرجل وأسرته فترة من الزمن في سلام .. حيث صلحت فيه حال الإبل وتكاثرت .. وأصبحت في أحسن حال نتيجة وفرة الكلأ وقربه وجودته .. الأمر الذي أنسى الأسرة إلى حين .. هموم الغربة والبعد عن الأهل وأجواء ” النجع ” المؤنسة ..

مع مرور الوقت ثقل الحمل على كاهل ” الأب ” نتيجة معاناته الصامته للغربة وهمومها المبرحة .. ومكابرته على آلامها .. بالإضافة إلى مخاوفه التي أصبحت تزداد بمرور الوقت جراء وجوده في هذا المكان النائي ومجازفته بحياته وحياة أولاده .. وأصبح يفكر جدياُ في العودة .. لكن مكابرة ” البدوي ” كانت دائماً تحول بينه وبين اتخاذ قرار العودة .. كان يهفو بكل جوارحه أن يطلب منه أهل بيته ذلك .. حتى يرفع عنه العتب ويفلت من حرج ” التراجع ” .. إنها غلظة أكباد أهل البادية ! .. أهتدى بعد طول تفكير إلى فكرة رأى من خلالها أنها تجعل الأسرة هي التي تطلب ” العودة ” .. وقرر تنفيذها .. حيث ذهب ذات يوم إلى إبله في المرعى لتفقدها .. وكانت كما أشرنا في أحسن حال .. وتسر الناظرين .. التقى هناك بأحد ولديه الذي كان يقوم على رعيها فأبلغه بضرورة طلاء إحدى ” النوق ” فأجاب الإبن دون نقاش بالرغم من سلامة ” الناقة ” من الجرب !! .. وحيث أن أهل البادية ملاك الإبل كانوا يؤدون بعض الأشعار عند طلاء الإبل .. تعبرهذه الأشعار عن بعض ما يجول في خواطرهم من شجون الحياة وظروفها .. فقد أراد أن يمنح ولديه فرصة التعبير عن مشاعرهم ، لعله يلمس في اشعارهم مايوحي الى رغبتهم في العودة إلى ” نجعهم ” حيث الحماية والألفة وتنتهي غربتهم .. في عصر ذلك اليوم جلب أحد الأبناء الناقة وأناخها أمام الخيمة حيث تجتمع الأسرة .. وقام بعقلها وباشر بالطلاء .. وهو يرتجل قائلاً :

نـزلنا بهـا بـوعريشــــه
غبي ما يجنه مســـارب
لـين فيـه نبـتت ريشـــه
بـين الـذرا والغــوارب

فأدرك الأب أن أبنه هذا مهتم لشأن الإبل ومتعلق بها غير آبه للغربة ووحشتها .. حيث أفتخر بأنهم أختاروا لإبلهم مرعى جيداً بعيداً لا يدركه أحد .. ولا توجد طرق أو مسالك تؤدي إليه ..وأشار إلى أن الإبل وصلت حداً من السمن إلى أن أرتفع السبيب الذي ينبت بين ذروة الناقة وغاربها ليتشكل على هيئة ريشه .. أما “أبو عريشه” فهي تسمية لمكان أغلب الظن . رغم هذا لم يفقد الأب الأمل ..وطلب من أبنه الآخر أن يساعد أخاه .. في محاولة أخيرة لعلها تفضي به إلى مبتغاه .. باشر الإبن الآخر طلاء الناقة .. دون أن يتكلم .. فداعبتاه أخته وأمه وحثتاه على قول شيء .. الأمر الذي أعجب الأب .. فأرتجل قائلا:

رتعنا بها ثمـن هلّــه
بين اليهق والقلقلاني
لين تمت الناب مـنه
كما بـكر ولا مثانـي

حيث نسج الأبن الثاني على منوال شقيقه ، وتناول هو الآخر المرعى الجيد طوال ” ثمانية أشهر ” .. وأتى على ذكر نوعين من الأعشاب المعروفة والمحببة للإبل ” اليّهًـقْ , القلقلان ” والتي لها مردود إيجابي سريع على الإبل .. ويتابع بوصف مردود هذا المرعى الجيد على الإبل حيث يذهب إلى أن الناقه المسنه ” الناب ” تماثل النوق التي في مقتبل عمرها ” بكر ولا مثاني ” بمعنى أول أو ثاني ولادة . أُسقط في يد ” الأب ” المسكين وفشلت مساعيه !! .. ومع غروب ذلك اليوم شعر بشيء من الإنقباض .. وعادت الهواجس تتلاعب به .. دعته زوجته للعشاء فأعتذر .. وانكفأ على نفسه يفكر من جديد في حل على صوت ضحكات ولداه وهما يداعبان أمهما .. فزاد همه .. وهم بأن ينهرهما !! ثم تراجع .. وفجأة سمع صوت ” الرحى ” بصوت شقيها الرتيب ، و بصوت إبنته العذب الشجي الذي توقف له مزاح الأم وولديها وأصاخ الجميع السمع لترتجل الفتاة قائله :

أنــزل بهــا صــرة النجـــع
والمـــال دايـــر زرايـــــب
خشوش الخلا فجع في فجع
امــا مــوت ولا هــزايـــب


لقد فطنت الفتاة إلى ما يرمي إليه والدها من طلاء ” ناقة ” سليمة .. وتابعت ردت فعله .. تجاه أشعار أخويها .. وأرادت أن تزيح عن كاهله الحمل الذي أنهكه ..فهي دعته صراحة إلى العودة إلى ” النجع ” تحديداً منتصفه ” صرة النجع ” حيث تتحلق حوله الماشية والإبل .. محذرة من البقاء في ” الخلاء ” بعيداً عن نصرة أهله .. فهو لا ينتج عنه سوى الفجائع المتواليه .. التي تفضي أما إلى الموت أو الإهانة . سرت قشعريرة في جسد الأب .. من وقع غناء أبنته .. واجتاح فرح غامر نفسه التي نال منها الانقباض ما نال .. أعتدل في جلسته .. وأنتظر حتى فرغت إبنته من جلسة الرحى .. وقال : موجها كلامه لأبنيه .. أختكما طلبت العودة إلى ” النجع ” كما سمعتما.. ولا بد من تلبية طلبها .. فسرت فرحة في الأسرة الغريبة .. وأطلقت الأم زغرودة في جوف تلك الليلة شقت سكون الصحراء الموحش .. ليصبح صباح اليوم التالي على تلك الأسرة وهي تتهيأ للرحيل إلى ” نجعها ” حيث المكان الطبيعي لها .

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق