منوعات

الأُلْفَة

معنى الأُلْفَة لغةً:
يقال: ألِفته إلفًا -من باب علم- وألفته أنِسْت به، ولزمته وأحببته، والاسم الأُلفة بالضمِّ، والأُلفة أيضًا اسم من الائتلاف، وهو الالتئام والاجتماع.
فهو مُؤْلَفٌ ومأْلُوفٌ… وأَلَّفْتُ بينهم تأْلِيفًا إذا جَمَعْتَ بينَهم بعد تَفَرُّقٍ
معنى الأُلْفَة اصطلاحًا:
الأُلْفَة: اتِّفاق الآراء في المعاونة على تدبير المعاش
وقال الرَّاغب: (الإلْفُ: اجتماع مع التئام، يقال: أَلَّفْتُ بينهم، ومنه: الأُلْفَة)
– قال تعالى: وَاعْتَصِمُواْ بِحَبْلِ اللّهِ جَمِيعًا وَلاَ تَفَرَّقُواْ [آل عمران: 103]
قال الرَّاغب الأصفهاني: (قوله: وَلاَ تَفَرَّقُواْ حث على الأُلْفَة والاجتماع، الذي هو نظام الإيمان واستقامة أمور العالم، وقد فضَّل المحبَّة والأُلْفَة على الإِنصاف والعدالة، لأنَّه يحُتاج إلى الإِنصاف حيث تفقد المحبَّة. ولصدق محبَّة الأب للابن صار مؤتمنًا على ماله، والأُلْفَة أحد ما شرَّف الله به الشَّريعة سيَّما شريعة الإِسلام)
– وقال تعالى: وَاذْكُرُواْ نِعْمَةَ اللّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنتُمْ أَعْدَاء فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُم بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا [آل عمران: 103]
قال الزَّمخشريُّ: (كانوا في الجاهليَّة بينهم الإحَن والعداوات والحروب المتواصلة، فألَّف الله بين قلوبهم بالإسلام، وقذف فيها المحبَّة، فتحابوا وتوافقوا وصاروا إخوانًا متراحمين متناصحين مجتمعين على أمرٍ واحد، قد نظم بينهم وأزال الاختلاف، وهو الأخوَّة في الله)
وقال السُّيوطي: (إذ كنتم تذابحون فيها، يأكل شديدكم ضعيفكم، حتى جاء الله بالإسلام فآخى به بينكم وألف به بينكم، أما والله الذي لا إله إلَّا هو إنَّ الأُلْفَة لرحمة، وإنَّ الفُرْقَة لعذاب)
– وقال سبحانه: وَإِن يُرِيدُواْ أَن يَخْدَعُوكَ فَإِنَّ حَسْبَكَ اللّهُ هُوَ الَّذِيَ أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَبِالْمُؤْمِنِينَ وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أَنفَقْتَ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعاً مَّا أَلَّفَتْ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَـكِنَّ اللّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ [الأنفال: 62-63]
قوله: وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ (فاجتمعوا وائتلفوا، وازدادت قوَّتهم بسبب اجتماعهم، ولم يكن هذا بسعي أحد، ولا بقوَّة غير قوَّة الله، فلو أنفقت ما في الأرض جميعًا مِن ذهب وفضَّة وغيرهما لتأليفهم بعد تلك النُّفرة والفُرقة الشَّديدة، مَّا أَلَّفَتْ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لأنَّه لا يقدر على تقليب القلوب إلَّا الله تعالى، وَلَـكِنَّ اللّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ومِن عزَّته أن ألَّف بين قلوبهم، وجمعها بعد الفرقة)
وقال القرطبي: في قوله تعالى: وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ (أي: جمع بين قلوب الأوس والخزرج. وكان تألُّف القلوب مع العصبيَّة الشَّديدة في العرب مِن آيات النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم ومعجزاته؛ لأنَّ أحدهم كان يُلْطَم اللَّطمة فيقاتل عنها حتى يستقيدها. وكانوا أشدَّ خَلْق الله حميَّة، فألَّف الله بالإيمان بينهم، حتى قاتل الرَّجل أباه وأخاه بسبب الدِّين. وقيل: أراد التَّأليف بين المهاجرين والأنصار. والمعنى متقارب)
– عن عبد الله بن زيد بن عاصم قال: ((لـمَّا أفاء الله على رسوله صلى الله عليه وسلم يوم حنين قسم في النَّاس في المؤلَّفة قلوبهم، ولم يعطِ الأنصار شيئًا، فكأنَّهم وجدوا إذ لم يصبهم ما أصاب النَّاس، فخطبهم فقال: يا معشر الأنصار، ألم أجدكم ضُلَّالًّا فهداكم الله بي، وكنتم متفرِّقين فألَّفكم الله بي، وعالة فأغناكم الله بي؟ كلَّما قال شيئًا قالوا: الله ورسوله أَمَنُّ. قال: ما يمنعكم أن تجيبوا رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ قال: كلَّما قال شيئًا قالوا: الله ورسوله أَمَنُّ. قال: لو شئتم قلتم جئتنا كذا وكذا، أترضون أن يذهب النَّاس بالشَّاة والبعير، وتذهبون بالنَّبيِّ صلى الله عليه وسلم إلى رحالكم؟ لولا الهجرة لكنت امرءًا مِن الأنصار، ولو سلك النَّاس واديًا وشعبًا لسلكت وادي الأنصار وشعبها، الأنصار شعار والنَّاس دثار، إنَّكم ستَلْقَون بعدي أَثَرَة فاصبروا حتى تلقوني على الحوض))
وهذا مِن أكبر نعم الله في بعثة رسول الله صلى الله عليه وسلم: أن ألَّف به بين قوم قويت بينهم العصبيَّات، وينبغي أن يكون شأن المسلم هكذا: يؤلِّف بين المتفرِّقين ويأتلف حوله المحبون
– وعن جابر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((المؤمن يأْلَف ويُؤْلَف، ولا خير فيمن لا يأْلَف ولا يُؤْلَف))
قال المناوي في شرح قوله: ((المؤمن يأْلَف)) قال: (لحسن أخلاقه وسهولة طباعه ولين جانبه. وفي رواية: ((إلْفٌ مَأْلُوفٌ)) والإلْف: اللَّازم للشَّيء، فالمؤمن يأْلَف الخير، وأهله ويألفونه بمناسبة الإيمان، قال الطِّيبي: وقوله: ((المؤمن إلْفٌ)) يحتمل كونه مصدرًا على سبيل المبالغة، كرجل عدل، أو اسم كان، أي: يكون مكان الأُلْفَة ومنتهاها، ومنه إنشاؤها وإليه مرجعها، ((ولا خير فيمن لا يأْلَف ولا يُؤْلَف)) لضعف إيمانه، وعُسْر أخلاقه، وسوء طباعه. والأُلْفَة سببٌ للاعتصام بالله وبحبله، وبه يحصل الإجماع بين المسلمين وبضِدِّه تحصل الـنُّفْرة بينهم، وإنَّما تحصل الأُلْفَة بتوفيقٍ إلهي… ومِن التَّآلف: ترك المداعاة والاعتذار عند توهُّم شيء في النَّفس، وتَــرْك الجدال والمراء وكثرة المزاح)
و(قال الماورديُّ: بيَّن به أن الإنسان لا يُصْلِح حاله إلَّا الأُلْفَة الجامعة؛ فإنَّه مقصود بالأذيَّة، محسود بالنِّعمة، فإذا لم يكن إلفًا مألوفًا تختطفه أيدي حاسديه، وتحكَّم فيه أهواء أعاديه، فلم تسلم له نعمة، ولم تَصْفُ له مدَّة، وإذا كان إلفًا مألوفًا انتصر بالأُلْف على أعاديه، وامتنع بهم مِن حسَّاده، فسلمت نعمته منهم، وصفت مودَّته بينهم، وإن كان صفو الزَّمان كدرًا ويُسْرُه عسرًا وسلمه خطرًا)
قال الرَّاغب الأصفهاني: (ولذلك حثَّنا على الاجتماعات في الجماعات والجمعات، لكون ذلك سببًا للأُلْفَة، بل لذلك عظَّم الله تعالى المنَّة على المؤمنين بإيقاع الأُلْفَة بين المؤمنين… وليس ذلك في الإنسان فقط، بل لولا أنَّ الله تعالى ألَّف بين الأركان المتضادة، لما استقام العالم)
– وعن عوف بن مالك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((خيار أئمتكم: الذين تحبُّونهم ويحبُّونكم، ويصلُّون عليكم، وتصلُّون عليهم، وشرار أئمتكم: الذين تبغضونهم ويبغضونكم، وتلعنونهم ويلعنونكم))
إنَّ خيار النَّاس في نظر الشَّرع هم الذين يأْلَفون ويُؤْلَفون، وخاصَّة حين يكونون في منصب أو مسؤوليَّة، إذ قد ينزلقون إلى صورٍ مِن الغلظة والجفوة حين يكونون مطلوبين لا طالبين
– وقال صلى الله عليه وسلم: ((النَّاس معادن كمعادن الفضَّة والذَّهب، خيارهم في الجاهليَّة خيارهم في الإسلام إذا فقهوا، والأرواح جنودٌ مجنَّدة، ما تعارف منها ائتلف، وما تناكر منها اختلف))
قال ابن حجر: (قال الخطابي: يحتمل أن يكون إشارة إلى معنى التشاكل في الخير والشر والصلاح والفساد، وأن الخير من الناس يحن إلى شكله، والشرير نظير ذلك يميل إلى نظيره، فتعارف الأرواح يقع بحسب الطباع التي جبلت عليها من خير وشر، فإذا اتفقت تعارفت وإذا اختلفت تناكرت، ويحتمل أن يراد الإخبار عن بدء الخلق في حال الغيب على ما جاء أن الأرواح خلقت قبل الأجسام وكانت تلتقي فتتشاءم، فلما حلت بالأجسام تعارفت بالأمر الأول فصار تعارفها وتناكرها على ما سبق من العهد المتقدم. وقال غيره: المراد أن الأرواح أول ما خلقت خلقت على قسمين، ومعنى تقابلها أن الأجساد التي فيها الأرواح إذا التقت في الدنيا ائتلفت أو اختلفت، على حسب ما خلقت عليه الأرواح في الدنيا إلى غير ذلك بالتعارف. قلت: ولا يعكر عليه أن بعض المتنافرين ربما ائتلفا لأنه محمول على مبدأ التلاقي فإنه يتعلق بأصل الخلقة بغير سبب، وأما في ثاني الحال فيكون مكتسبا لتجدد وصف يقتضي الألفة بعد النفرة، كإيمان الكافر وإحسان المسيء. وقوله: (جنود مجندة) أي أجناس مجنسة أو جموع مجمعة. قال ابن الجوزي ويستفاد من هذا الحديث أن الإنسان إذا وجد من نفسه نفرة ممن له فضيلة أو صلاح فينبغي أن يبحث عن المقتضي لذلك؛ ليسعى في إزالته حتى يتخلص من الوصف المذموم، وكذلك القول في عكسه. وقال القرطبي: الأرواح وإن اتفقت في كونها أرواحًا لكنها تتمايز بأمور مختلفة تتنوع بها، فتتشاكل أشخاص النوع الواحد وتتناسب بسبب ما اجتمعت فيه من المعنى الخاص لذلك النوع للمناسبة، ولذلك نشاهد أشخاص كل نوع تألف نوعها وتنفر من مخالفها، ثم إنا نجد بعض أشخاص النوع الواحد يتآلف وبعضها يتنافر، وذلك بحسب الأمور التي يحصل الاتفاق والانفراد بسببها)
– عن مجاهد قال: رأى ابن عبَّاس رجلًا فقال: (إنَّ هذا ليحبُّني. قالوا: وما علمك؟ قال: إنِّي لأحبُّه، والأرواح جنودٌ مجنَّدة، فما تعارف منها ائتلف، وما تناكر منها اختلف)
– وعن الأوزاعيِّ قال: كتب إليَّ قتادة: إن يكن الدَّهر فرَّق بيننا فإنَّ أُلْفَة الله الَّذي ألَّف بين المسلمين قريب
– وقال يونس الصَّدفي: (ما رأيت أعقل مِن الشَّافعي، ناظرته يومًا في مسألة، ثمَّ افترقنا، ولقيني، فأخذ بيدي، ثمَّ قال: يا أبا موسى، ألَا يستقيم أن نكون إخوانًا وإن لم نتَّفق في مسألة)
– وقال السُّلمي: (وأصل التَّآلف هو بغض الدُّنْيا والإعراض عنها، فهي التي توقع المخالفة بين الإخوان)
– وقال الماورديُّ: (الإنسان مقصود بالأذيَّة، محسود بالنِّعمة. فإذا لم يكن آلفًا مألوفًا تخطَّفته أيدي حاسديه، وتحكَّمت فيه أهواء أعاديه، فلم تسلم له نعمة، ولم تَصْفُ له مُدَّة. فإذا كان آلفًا مألوفًا انتصر بالأُلْفَة على أعاديه، وامتنع مِن حاسديه، فسَلِمت نعمته منهم، وصَفَت مُدَّتُه عنهم، وإن كان صفو الزَّمان عُسْرًا، وسِلمُه خَطَرًا)
– وقال الْغَزالِي (الأُلْفَة ثَمَرَة حُسْن الخُلُق، والتَّفرق ثَمَرَة سوء الخُلُق، فَحُسْن الخُلُق يُوجب التَّحبُّب والتَّآلف والتَّوافق، وسُوء الخُلُق يُثمر التَّباغض والتَّحاسد والتَّناكر)
– وقال أبو حاتم: (سبب ائتلاف النَّاس وافتراقهم بعد القضاء السَّابق هو: تعارف الرُّوحين وتناكر الرُّوحين، فإذا تعارف الرُّوحان وُجِدَت الأُلْفَة بين نفسيهما، وإذا تناكر الرُّوحان وُجِدَت الفُرْقَة بين جسميهما)
– وقال أيضًا: (إنَّ مِن النَّاس مَن إذا رآه المرء يُعْجَب به، فإذا ازداد به علمًا ازداد به عجبًا، ومنهم مَن يبغضه حين يراه، ثمَّ لا يزداد به علمًا إلَّا ازداد له مقتًا، فاتِّفاقهما يكون باتِّفاق الرُّوحين قديمًا)
– وقال ابن تيمية: (إنَّ السَّلف كانوا يختلفون في المسائل الفرعيَّة، مع بقاء الأُلْفَة والعصمة وصلاح ذات البين)
– وقال الأبشيهي: (التَّآلف سبب القوَّة، والقوَّة سبب التَّقوى، والتَّقوى حصنٌ منيع وركن شديد، بها يُمْنَع الضَّيم، وتُنَال الرَّغائب، وتنجع المقاصد)
1- قيام الأُلْفَة بين المؤمنين مِن أسباب النَّصر والتَّمكين.
2- الأُلْفَة تجمع شمل الأمَّة وتمنع ذلَّهم.
3- الأُلْفَة سببٌ للاعتصام بالله وبحبله.
4- الألفة من أسباب محبَّة الله ورسوله صلى الله عليه وسلم والمؤمنين.
5- تُحقق التَّماسك الاجتماعي، وتُشيع روح المودَّة بين المسلمين.
6- داعية إلى التَّناصر وسلامة المجتمع المسلم.
7- توفِّر جوًّا اجتماعيًّا سليمًا لنمو الإنسان المسلم نموًّا سليمًا في إطار مبادئ الإسلام.
8- داعية إلى التَّوحد الاجتماعي، ونبذ أسباب الفُرْقة والمعاداة.
9- تُشيع التَّعاون بين المسلمين، وفي ذلك مدعاة لرضا الله تعالى ثمَّ رضا النَّاس.
 
هناك أسبابٌ كثيرةٌ تؤدِّي إلى الأُلْفَة والمحبَّة، وتقوي الروابط والعلاقات بين أفراد المجتمع المسلم فمنها:
1- التَّعارف ومعاشرة النَّاس:
قال صلى الله عليه وسلم: ((الأرواح جنودٌ مجنَّدة ما تعارف منها ائتلف وما تناكر منها اختلف))
2- التَّواضع:
إنَّ (خفض الجنَاح ولين الكَلِمَة وتَرْك الإغلاظ مِن أَسبَاب الأُلْفَة واجتماع الكَلِمَة وانتظام الأَمر ولهذا قيل: مَن لانت كلمته وجبت محبَّته وحَسُنَت أُحدُوثته، وظمئت الْقُلُوب إلى لقائه وتنافست في مودته)
قال ابن عثيمين: (وظيفة المسلم مع إخوانه، أن يكون هيِّنًا ليِّنًا بالقول وبالفعل؛ لأنَّ هذا ممَّا يوجب المودَّة والأُلْفَة بين النَّاس، وهذه الأُلْفَة والمودَّة أمرٌ مطلوبٌ للشَّرع، ولهذا نهى النَّبيُّ عليه الصَّلاة والسَّلام عن كلِّ ما يوجب العداوة والبغضاء)
3- القيام بحقوق المسلمين والالتزام بها:
عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((حق المسلم على المسلم خمسٌ: رد السلام، وعيادة المريض، واتباع الجنائز، وإجابة الدعوة، وتشميت العاطس))
(فهذه الحقوق التي بيَّنها النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم كلَّها إذا قام بها النَّاس بعضهم مع بعض، حَصل بذلك الأُلْفَة والمودَّة، وزال ما في القلوب والنُّفوس مِن الضَّغائن والأحقاد)
ومن ذلك:
4- إفشاء السَّلام:
قال صلى الله عليه وسلم: ((يا أيُّها النَّاس أفشوا السَّلام، وأطعموا الطَّعام، وصلوا الأرحام، وصلُّوا باللَّيل والنَّاس نيام، تدخلوا الجنَّة بسلام))
(قال الإمام الرَّازي: الحكمة في طلب السَّلام عند التَّلاقي والمكاتبة دون غيرهما: أنَّ تحيَّة السَّلام طُلِبت عند ما ذكر؛ لأنَّها أوَّل أسباب الأُلْفَة، والسَّلامة التي تضمنها السَّلام هي أقصى الأماني فتنبسط النَّفس -عند الاطِّلاع عليه- أيَّ بسطٍ، وتتفاءل به أحسن فأل)
5- زيارة المسلم وعيادته إذا مرض:
فزيارة المسلم لأخيه المسلم تبعث على الحبِّ والإخاء، ولا سيَّما عند المرض، مع ما أعده الله من الأجر والثواب له قال صلى الله عليه وسلم: ((مَن عاد مريضًا أو زار أخًا له في الله، ناداه مناد بأن طبت وطاب ممشاك، وتبوَّأت مِن الجنَّة منزلًا))
6- الكلام اللَّين:
فالكلام اللَّين والطَّيب مِن الأسباب التي تؤلِّف بين القلوب، قال تعالى: وَقُل لِّعِبَادِي يَقُولُواْ الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ الشَّيْطَانَ يَنزَغُ بَيْنَهُمْ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلإِنْسَانِ عَدُوًّا مُّبِينًا [الإسراء: 53]
7- التَّعفُّف عن سؤال النَّاس:
قال صلى الله عليه وسلم: ((وازهد فيما في أيدي النَّاس يحبَّك النَّاس))
8- السَّعي للإصلاح بين النَّاس:
قال تعالى: فَاتَّقُواْ اللّهَ وَأَصْلِحُواْ ذَاتَ بِيْنِكُمْ [الأنفال: 1]
9- الاهتمام بأمور المسلمين والإحساس بقضاياهم:
قال صلى الله عليه وسلم: ((المؤمنون كرجل واحد، إذا اشتكى رأسه تداعى له سائر الجسد بالحمَّى والسَّهر))
10- التَّهادي:
لا شك أن تقديم الهديَّة يزيد مِن الأُلْفَة والمحبَّة والتَّقارب بين المهدي والـمُهْدَى إليه، فعن أبي هريرة رضي الله عنه عن النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم قال: ((تهادوا تحابُّوا))
11 – حسن الخلق:
قال الغزالي: (اعلم أن الألفة ثمرة حسن الخلق، والتفرق ثمرة سوء الخلق‏، فحسن الخلق يوجب التحاب والتآلف والتوافق وسوء الخلق يثمر التباغض والتحاسد والتدابر ومهما كان المثمر محمودًا كانت الثمرة محمودة)
وقد أرجع الماورديُّ أسباب الأُلْفَة إلى خمسة أسباب رئيسة: وهي: الدِّين والنَّسب والمصاهرة والمودَّة والبرُّ، فقال:
1- (فأمَّا الدِّين: وهو الأوَّل مِن أسباب الأُلْفَة؛ فلأنَّه يبعث على التَّناصر، ويمنع مَن التَّقاطع والتَّدابر. وبمثل ذلك وصَّى رسول الله صلى الله عليه وسلم أصحابه، فروى سفيان عن الزُّهري عن أنس رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((لا تقاطعوا ولا تدابروا ولا تحاسدوا، وكونوا عباد الله إخوانًا لا يحلُّ لمسلم أن يهجر أخاه فوق ثلاث))
وهذا وإن كان اجتماعهم في الدِّين يقتضيه فهو على وجه التَّحذير مِن تذكُّر تراث الجاهليَّة وإحَن الضَّلالة. فقد بُعِث رسول الله صلى الله عليه وسلم والعرب أشدُّ تقاطعًا وتعاديًا، وأكثر اختلافًا وتماديًا، حتى إنَّ بني الأب الواحد يتفرَّقون أحزابًا، فتثير بينهم بالتَّحزب والافتراق أحقاد الأعداء، وإحَن البعداء…
2- وأما النَّسب: وهو الثَّاني مِن أسباب الأُلْفَة؛ فلأن تعاطف الأرحام حميَّة القرابة يبعثان على التَّناصر والأُلْفَة، ويمنعان مِن التَّخاذل والفرقة، أنفة مِن استعلاء الأباعد على الأقارب، وتوقيًا مِن تسلُّط الغرباء الأجانب. وقد رُوِي عن النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم أنَّه قال: ((إنَّ الرَّحم إذا تماسَّت تعاطفت))
3- وأمَّا المصاهرة: وهي الثَّالث مِن أسباب الأُلْفَة، فلأنَّها استحداث مواصلة، وتمازج مناسبة، صدرا عن رغبةٍ واختيار، وانعقدا على خيرٍ وإيثار، فاجتمع فيها أسباب الأُلْفَة ومواد المظاهرة. قال الله تعالى: وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً [الرُّوم: 21] يعني بالمودَّة المحبَّة، وبالرَّحمة الحنو والشَّفقة، وهما مِن أوكد أسباب الأُلْفَة…
4- وأمَّا المؤاخاة بالمودَّة، وهي الرَّابع مِن أسباب الأُلْفَة؛ لأنَّها تكسب بصادق الميل إخلاصًا ومصافاة، ويحدث بخلوص المصافاة وفاءً ومحاماةً. وهذا أعلى مراتب الأُلْفَة، ولذلك آخى رسول الله صلى الله عليه وسلم بين أصحابه؛ لتزيد ألفتهم، ويقوي تضافرهم وتناصرهم…
5- وأمَّا البرُّ، وهو الخامس مِن أسباب الأُلْفَة، فلأنَّه يوصِّل إلى القلوب ألطافًا، ويثنيها محبَّة وانعطافًا. ولذلك ندب الله تعالى إلى التَّعاون به، وقرنه بالتَّقوى له، فقال: وَتَعَاوَنُواْ عَلَى الْبرِّ وَالتَّقْوَى [المائدة: 2]
لأنَّ في التَّقوى رضى الله تعالى، وفي البرِّ رضى النَّاس. ومَن جَمَع بين رضى الله تعالى ورضى النَّاس فقد تمَّت سعادته، وعمَّت نعمته)
قال عليٌّ رضي الله عنه:
عليك بإخوانِ الصفاءِ فإنَّهم
عمادٌ إذا استنجدتهم وظهورُ
وإنَّ قليلًا ألفُ خلٍّ وصاحبٍ
وإنَّ عدوًّا واحدًا لكثيرُ
 
قال أحمد بن محمَّد بن بكر الأبناوي:
إنَّ القلوبَ لأجنادٌ مجنَّدةٌ
للهِ في الأرضِ بالأهواءِ تعترفُ
فما تعارفَ منها فهو مؤتلفٌ
وما تناكرَ منها فهو مختلفُ
 
وقال منصور بن محمَّد الكريزي:
فما تبصرُ العينانِ والقلبُ آلفٌ
ولا القلبُ والعينان منطبقان
ولكن هما روحان تعرضُ ذي لذى
فيعرفُ هذا ذي فيلتقيان
 
وقال: محمَّد بن إسحاق بن حبيب الواسطي:
تعارفُ أرواحُ الرِّجال إذا التقوا
فمنهم عدوٌّ يُــتَّقى وخليلُ
كذاك أمورُ النَّاسِ والنَّاسُ منهم
خفيفٌ إذا صاحبته وثقيلُ
 
وقال المنتصر بن بلال الأنصاري:
يزينُ الفتى في قومِه ويشينُه
وفي غيرِهم أخدانُه ومداخلُه
لكلِّ امرئٍ شكلٌ مِن النَّاسِ مثلُه
وكلُّ امرئٍ يهوى إلى مَن يشاكلُه
 
وقال محمَّد بن عبد الله بن زنجي البغدادي:
إن كنت حُلْتَ، وبي استبدلت مُطَّرحًا
وُدًّا فلم تأتِ مكروهًا ولا بدعا
فكلُّ طيرٍ إلى الأشكالِ موقعُها
والفرعُ يجري إلى الأعراقِ منتزعا

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى